وجوهٌ على مِرآةِ الغياب"
النادي الملكي للأدب والسلام
وجوهٌ على مِرآةِ الغياب"
بقلم الشاعر المتألق : ا.د.احمد سلامة
مقدمة
في كلِّ وجهٍ نراهُ حكايةٌ لا تُروى، وتناقضٌ لا يُدانُ عليه.
عشتُ أعوامًا أراقبُ البشرَ، لا لأحكمَ عليهم، بل لأفهمهم.
رأيتُ فيهم الحنونَ الذي يجرح، والأمينَ الذي يخون، والمتواضعَ الذي يتكبّر.
فهل نحنُ كائناتٌ متناقضة؟ أم أنّ التناقضَ هو جوهرُ إنسانيّتنا؟
في هذا النصّ لا أُدينُ أحدًا ولا أُبرِّئ أحدًا؛
بل أُحاول الإمساكَ بالخيطِ الرفيع بينَ النورِ والظل، بينَ القناعِ والوجه، بينَ ما نُظهرُ وما نُخفي.
هذه القصيدة ليست هجاءً ولا مديحًا،
إنّها مرآةٌ أضعُها أمام نفسي وأمامكم،
لعلّنا نرى فيها شيئًا من حقيقتنا… أو من غيابها.
"وجوهٌ على مِرآةِ الغياب"
بقلم: أ.د. أحمد سلامة
وجوهٌ نراها في الزحامِ تموَّهتْ
وتخفي وراءَ اللطفِ سُمَّ العذابِ
تُصافحُكَ الأيامُ فيها باسمةً
وتغرسُ في ظهركَ سيفَ اغترابِ
تراكَ بعينٍ من حنينٍ نقيّةٍ
وتبكيكَ في سرّها كالغُرابِ
تُحدّثُكَ عن صدقِها في ابتسامِها
وفي قلبِها تُشعلُ نارَ العتابِ
فكم من أمينٍ خانَ عهدَ محبّةٍ
وكم من تقيٍّ باعَ دينَ الكتابِ
وكم من تواضعٍ كان سترَ تكبّرٍ
وكم من جَوادٍ ضنَّ وقتَ الحسابِ
تُرى، هل نُلامُ إذا ارتبكنا رؤيةً
لوجهٍ تبدّلَ بينَ ألفِ نقابِ؟
ففي كلِّ إنسانٍ يعيشُ تناقضٌ
كأنّ بهِ روحَينِ في مستطابِ
يُحبّ ويكرهُ في اللحاظِ معًا، وقد
يُصافحُكَ القلبُ بسُمِّ الغرابِ
تراهُ حنونًا ثمّ يصرخُ قاسيًا
كأنّ بهِ طيفَينِ في كلّ بابِ
فلا تعجبنْ إن خانَ ظنُّكَ صاحبًا
ففي كلِّ قلبٍ متاهاتُ غابِ
تُرى، أَنُصدّقُ ما نراهُ بظاهرٍ؟
أم القلبُ أصدقُ من حديثِ الخطابِ؟
فكم من عدوٍّ في ثيابِ صديقِنا
وكم من قريبٍ كان سهمَ المصابِ
وكم من وجوهٍ قد بدتْ في نقائها
ولكنّها تخفي ظلامَ الخرابِ
فلا تحكمنَّ على الوجوهِ بسطحِها
ففي العمقِ أسرارٌ كطيفِ السرابِ
أليسَ الإنسانُ كونًا مُعقّدًا
تُشكّلهُ الأقدارُ مثلَ السحابِ؟
وراثيّةٌ فيه الطباعُ، وإنّما
تُصاغُ بتجريبِ الزمانِ المُصابِ
فلا هو شرٌّ محضُه، لا، ولا هوَ
ملاكٌ؛ ولكنْ بينَ ذاكَ الصِّعابِ
هو الجمعُ بينَ النورِ والظلِّ دائمًا
هو اللغزُ، والمرآةُ، والبابُ والبابِ
فدعْ عنكَ حكمًا يستعجلُ فهمَهُ
وسِرْ في دروبِ الناسِ دونَ ارتيابِ
تعلّمْ بأنّ الكلّ يحملُ داخلاً
يُخبّئُ فيهِ الحُبَّ… أو كلَّ نابِ
وأنّ التناقضَ ليس عيبًا ذاتَهُ
ولكنّهُ سرُّ الحياةِ المُهابِ
ففي كلِّ شخصٍ قصةٌ تستحقُّها
عيونُ تأمّلٍ… لا سيوفُ العتابِ
فكنْ حكمةً تمشي، وكنْ صوتَ شاعرٍ
يُغنّي لسرِّ الناسِ دونَ احتسابِ
توثيق : وفاء بدارنة


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق