♦️ثمن ما لا يُرى♦️(قصة 28)
النادي الملكي للأدب والسلام
♦️ثمن ما لا يُرى♦️(قصة 28)
بقلم الشاعر المتألق : محمد الشريف
♦️ثمن ما لا يُرى♦️(قصة 28)
في غبش الصباح الباكر، كان العريف جعفر يصارع دواسات دراجته الهوائية بانتظام عسكري صارم، متجهاً نحو معسكره كعادته كل يوم. كان الطريق الممتد بين حيه السكني ومقر عمله يبدو هذا الصباح أطول من المعتاد، كأنه خيط مطاطي لا ينتهي، مما اضطره للتوقف عند مرتفع ترابي تعلوه قناة ضيقة لتصريف المياه، ليمنح رئتيه "استراحة محارب" يرمم بها جهده لاستكمال الرحلة.
وسط ذلك السكون المهيب، تناهى إلى مسامعه لغطٌ قادم من جوف القناة تحت الطريق. انحنى جعفر قليلاً، فارتسمت أمام عينيه صورة رجلين بدا كأنهما خرجا من باطن الأرض؛ ثياب رثة ممزقة، جلود لفحتها الشمس حتى لفتها القتامة، وأقدام حافية غاصت في طين القناة. كان الحوار بينهما غريباً، مشحوناً بعتاب مكتوم؛ قال أحدهما بنبرة انكسار: "لقد بعتها"، ليرد عليه الآخر بحدة لائمة: "لماذا بعتها؟ ألم أوصِك ألا تفعل؟"، فما كان من الأول إلا أن أجاب بيأس: "لا لشيء.. إنما بعتها".
لم يتمالك جعفر نفسه، فمنطقه العسكري الذي يقدس المادة والوضوح لا يقبل هذا النوع من "الهراء" في حضرة الالتزام. صرخ فيهما بصوت جهوري شق صمت الصباح: "ماذا تملكان أصلاً لتبيعانه أو تختلفا عليه؟ انصرفا من هنا فوراً!". نظر الرجلان إليه بنظرة غامضة، ثم غارا في عتمة القناة، بينما واصل هو طريقه وهو يشعر بزهو من "نظّم" فوضى عابرة.
مرت ساعات الدوام، وحين حل المساء، جلس جعفر في مقهى المدينة المزدحم، بعيداً عن صرامة المعسكر. وبينما كان يرتشف قهوته، اخترق الزحام رجلٌ غريب الأطوار، كان هو ذاته؛ الرجل الرث حافي القدمين الذي رآه في القناة صباحاً. بدأ الرجل، الذي يدعى "مسعود"، يدور حول طاولة جعفر في دوائر مضطربة، مصدراً دمدمات غير مفهومة، وأصواتاً تنم عن غضب عارم وعدم رضا، كأن جعفر قد أفسد عليه طقساً مقدساً.
انسحب مسعود فجأة، فاقترب العم صالح، صاحب المقهى، من جعفر والوجل يرتسم على وجهه سائلًا: "ما بينك وبين مسعود؟ لماذا هو غاضب منك؟". أجاب جعفر باستخفاف بأنه رآه صباحاً مع متشرد آخر يتجادلان حول "بيعة" وهمية فنهرتهما. هز العم صالح رأسه بأسى وقال: "يا عريف، هؤلاء دراويش الأرض، بيعهم وشراؤهم ليس في أسواقنا، وصمتهم أمان وكلامهم نذير".
فجأة، عاد مسعود، لكنه هذه المرة كان ساكناً كالليل، وقف أمام جعفر وقال بوضوح صادم: "أريد قطعة شواء". أومأ العم صالح لجعفر بسرعة: "جاءك الفرج، إنه يأكل اللحم نيئاً، اشترِ له ما يرضيه لعل غضبه يزول". هرع جعفر إلى أقرب قصاب، وعاد يحمل قطعة لحم حمراء، وقدمها لمسعود الذي التهمها بنهم وعيناه مسمرتان في عيني جعفر. وحين انتهى، مسح يده في ثيابه الرثة، واقترب من أذن العريف وهمس بنبرة هزت كيانه: "لا تتدخل فيما لا يعنيك.. ما نبيعه ونشتريه نحن، أدرى بثمنه نحن". غادر مسعود المقهى تاركاً خلفه صمتاً ثقيلاً، وعريفاً يحدق في فراغ الطريق، متسائلاً عن تلك الأشياء الغالية التي تُباع وتُشترى في قنوات المياه المهجورة.
✍️ #محمد_الشريف
توثيق : وفاء بدارنة









