*** حارة أبو سلامة. ***
النادي الملكي للأدب والسلام
*** حارة أبو سلامة. ***
بقلم الكانب المتألق : ابراهيم شبل
*** حارة أبو سلامة. ***
الكاتب: إبراهيم شبل
هنا، عند باب حارة أبو سلامة، جلست مع أصحابي: الشيخ ماجد، والمهندس عصام، والشيخ رأفت، والأستاذ رضا، والحاج محمد. كانت جلسة من جلسات زمان، نستعيد فيها ذكريات الحارة العتيقة التي ظلت يومًا قلب قريتنا النابض، ومكانًا تتلاقى فيه الوجوه، وتتشابك فيه الحكايات، ويعرف فيه الكبير الصغير، ويشعر الغريب بأنه بين أهله.
قال الحاج محمد، وهو يتأمل الشارع الممتد أمامنا:
— يا خسارة يا ولاد، الحارة دي كانت زمان بالدنيا كلها. لا باب بيت كان بيتقفل في وش محتاج، ولا فرح كان يفرح فيه صاحبه لوحده، ولا جنازة كان أهلها يمشوا فيها من غير ما القرية كلها تسندهم.
هزّ الشيخ ماجد رأسه وقال:
— الدنيا اتغيرت يا حاج، مش الحارة بس.
نظرت حولي، فرأيت بيوتًا حديثة ارتفعت مكان البيوت القديمة، وشوارع اتسعت، ومحال تجارية حلّت محل بعض الدكاكين الصغيرة التي عرفنا أصحابها بأسمائهم وملامحهم. حتى الجلباب البلدي، الذي كان الزي المألوف لأهل القرية، لم يعد حاضرًا كما كان؛ فقد انتشر التعليم، وتخرّج الشباب في الجامعات، وسافر كثير منهم إلى الخارج بحثًا عن الرزق وتحسين مستوى المعيشة، فعاد بعضهم بأموال غيّرت شكل البيوت وأثّرت في نمط الحياة.
قال المهندس عصام:
— التطور مش عيب، ولا التعليم والسفر مشكلة. المشكلة إننا بنبني بيوتًا أكبر، لكن أحيانًا بنسيب المسافات تكبر بين أهل البيت الواحد.
كانت كلماته كأنها تفتح بابًا قديمًا في الذاكرة. تذكرت قريتنا حين كانت حدودها معروفة، وتُغلق عليها أربع بوابات: بوابة العرب، وبوابة الحواة، وبوابة أبو سلامة، وبوابة الإمزة. كانت القرية صغيرة، لكن قلوب أهلها واسعة. أما اليوم، فقد امتدت المباني حتى تداخلت مع القرى المجاورة، وتباعدت المسافات بين بيوت الإخوة والأقارب، ولم يعد كثيرون يلتقون إلا في الأفراح والمآتم، وربما حالت مشاغل الحياة دون ذلك أيضًا.
وفجأة، قطع حديثنا صوت شجار في الشارع.
التفتنا، فإذا بمجموعة من الصبية تتدافع، ويتعالى صوت أحدهم بألفاظ لا تليق. كان بينهم فتى لم يتجاوز الخامسة عشرة، أعرف أباه جيدًا؛ رجل مكافح يعمل ليل نهار من أجل أن يوفر لأبنائه حياة كريمة.
اقترب الفتى من أحد أصدقائه، ثم انصرف مع المجموعة في طريق جانبي.
تنهد الأستاذ رضا وقال:
— الولد ده لو لقى اللي يسأله: رايح فين؟ وجاي منين؟ كان زمانه في حال غير الحال.
رد الشيخ رأفت:
— مش كل الغلط على الولاد. فيه أب غايب طول اليوم، وأم يمكن تكون مشغولة عن أولادها، وشارع بقى هو المربي، وصاحب السوء بقى هو القدوة.
قلت لهم:
— المشكلة مش في البنطلون والقميص بدل الجلباب، ولا في البيت الحديث بدل البيت القديم. المشكلة لما نغيّر شكل حياتنا وننسى القيم اللي كانت بتحميها. لما الأب يتحول عند ابنه إلى ماكينة صراف آلي، يدفع له الفلوس من غير ما يسأله عن أحواله، ولما الكبير يخاف ينصح الصغير، ولما الجار يشوف الغلط ويسكت، ساعتها الخطر بيكبر.
سكتنا قليلًا، ثم أضاف الحاج محمد بصوت حزين:
— زمان كان الولد لو غلط، يلاقي ألف واحد يردّه للصواب. دلوقتي ممكن يغلط قدام الناس كلها، ومحدش يجرؤ يكلمه.
لم تكن المشكلة في هؤلاء الصبية وحدهم؛ فالمراهقة مرحلة تحتاج إلى الاحتواء والتوجيه، لا إلى الإهمال أو الإهانة. لكن بعض الأبناء يجدون أنفسهم بلا متابعة حقيقية، فتجذبهم رفقة السوء، ويصبح المال السهل طريقًا للإغراء، وقد ينزلق بعضهم إلى السرقة أو تعاطي المخدرات والاتجار بها، قبل أن يدركوا أن خطوات صغيرة في الطريق الخطأ قد تقودهم إلى المساءلة القانونية أو إلى إحدى مؤسسات رعاية الأحداث، وقد تنتهي بهم الحال في السجن حين يكبرون.
وتساءلت بيني وبين نفسي: أين الأسرة؟ وأين المدرسة؟ وما دور الجيران ورجال الدين ومؤسسات المجتمع؟ أليس من حق هذا الفتى أن يجد من يأخذ بيده قبل أن يسقط؟ أليس من واجبنا أن نحمي أبناءنا من الضياع، وأن نعلّم أبناءنا وبناتنا معنى المسؤولية والاحترام، وأن نربيهم بالحوار والقدوة والحزم العادل، لا بالتسلط ولا بالإهمال؟
إن القرية، مهما اتسعت مبانيها، تظل مجتمعًا له خصوصيته وروابطه، ولا يستقيم أمرها إلا باحترام الناس بعضهم لبعض، وصيانة الحقوق، والالتزام بالأخلاق العامة، من غير تجسس على الناس أو ظلم لهم.
نهض المهندس عصام، ونظر إلى باب الحارة القديم وقال:
— يا إبراهيم، تفتكر نقدر نرجّع الأيام دي؟
ابتسمت بحزن، وقلت:
— الأيام نفسها مش هترجع، لكن نقدر نرجّع روحها. نفتح أبواب البيوت، ونسأل عن الغايب، ونصالح المتخاصمين، ونتابع أولادنا، ونمد إيدنا للولد قبل ما يمد إيده للغلط. نقدر نرجّع الحارة لأهلها، من غير ما نوقف عجلة الزمن.
افترقنا، وبقيت وحدي أمام باب حارة أبو سلامة. مررت بيدي على جدار قديم، وتخيلت أصوات الرجال، وضحكات الأطفال، ونداءات الباعة، ووجوهًا رحلت وما زالت تسكن الذاكرة.
شعرت أن الحارة لا تبكي بيوتها القديمة، ولا جلبابًا اختفى، ولا بابًا هُدم؛ إنها تبكي شيئًا أكبر من ذلك كله: تبكي حين يصبح القريب غريبًا، وحين ينشغل الأب عن ابنه، وحين يخاف الجار على نفسه أكثر مما يخاف على جاره، وحين نترك أبناءنا يواجهون الحياة وحدهم.
رفعت عيني إلى السماء، وتمتمت:
— يا رب، احفظ قريتنا وأبناءها، وردّ إلى قلوبنا المحبة والرحمة، واجعل بيوتنا عامرة بالأمان، وحاراتنا عامرة بأهلها.
ثم نظرت إلى الباب مرة أخيرة، وقلت في نفسي:
إن لم نستعد قيم حارة أبو سلامة وأخلاقها، فلن ينفعنا أن تبقى جدرانها قائمة؛ لأن الحارات لا تموت حين تُهدم بيوتها، بل تموت حين يغادر الحب قلوب أهلها.
بقلم : الكاتب: إبراهيم شبل
توثيق : وفاء بدارنة