الأربعاء، 11 فبراير 2026


*** الٱخْتِيَارُ الثَّانِي ***

النادي الملكي للأدب والسلام 

*** الٱخْتِيَارُ الثَّانِي ***

بقلم الشاعر المتألق : م. فتحي فايز الخريشا

*** الٱخْتِيَارُ الثَّانِي ***

إنَّ الفَضَائِلَ أَثمَارٌ مِن شَجَرَةِ العَطَاءِ، لِأَنَّ الفَضَائِلَ عَطَايَا المَشَاعِ غَيْرُ مَقطُوعَةٍ أَو مَمنُوعَةٍ ولَا يَقدِرُ أَنْ يَمنَحَهَا لِكُلِّ النَّاسِ إِلَّا الشُّجَاعُ، فَالْجَبَانُ الوَكْلُ عَاجِزٌ لَا يَقدِرُ أَنْ يُعطِيَ، والعَطَاءُ لَا يَكُونُ دُونَ إِقْدَامٍ، وكَذَا المَحَبَّةُ فَضِيلَةٌ وذُروَةُ جَمَالِهَا أَنْ تَمْنَحَ مِن لُبِّ مُهْجَةِ الإِنسَانِ لِلنَّاسِ أَجْمَعِينَ.

 ولَا أَقُولُ أَنْ تُعطُوا كُلَّ مَا فِي خَزَائِنِكُمْ، لِأَنَّكُمْ كَمَا تُعطُونَ الآخَرِينَ يَجِبُ أَنْ تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ لَا أَنْ تَحرِمُوهَا بِتَوزِيعِ كُلِّ مَا فِي أَيْدِيكُمْ، فَلَيْسَ بِعَاقِلٍ الَّذِي يَدْرَأُ نَفسَهُ لِقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، لِأَنَّ مَنْ يَفعَلْ ذَلِكَ لَا يَبْلُغُ ذُروَةَ حِكْمَةِ الفَضِيلَةِ ولَا مِنهَا فَيْضَ العَطَاءِ، ولَا ٱسْتِثنَاءَ إِلَّا لِلَّذِي يَهَبُ حَيَاتَهُ حِينَ لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ لِدَرءِ ظُلْمٍ مُجْحِفٍ يَقْصِدُ هَلَاكَ النُّفُوسِ.

 أُرِيدُ أَنْ أُعطِيَ بِمَحَبَّةِ الأَخْذِ، كَمِثلِ عِنَاقِ تِلْكَ الفَرحَةِ فِي عُيُونِ مَنْ أُعطِي، لِأَنَّ الَّذِي لَا يَأْخُذُ لَا يَقدِرُ عَلَىٰ العَطَاءِ كَالَّذِي لَا يُحسِنُ الذَّودَ عَنْ حَوضِهِ لَا يُحسِنُ الهُجُومَ لَمَّا تُحَاصِرُهُ الأَفَاعِي، الحَرِيُّ تَكُونُ حَربُهُ مُقَدَّسَةً دِفَاعًا عَنِ الذَّاتِ، وكَذَا الَّذِي يُعطِي المَحَبَّةَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُحسِنَ ٱسْتِقْبَالَ مَحَبَّةِ الآخَرِينَ ويَتَلَقَّاهَا بِمَسَرَّةٍ وإِخْلَاصٍ.

 والعَطَاءُ إِنْ لَمْ يَنْبَثِقْ مِن دَاخِلِ حَشَاشَةِ النَّفسِ ٱنتِمَاءً لِلأُخُوَّةِ الإِنسَانِيَّةِ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ لَا يَثْبُتْ ولَا يَسْتَوِي حَبَّهُ عَلَىٰ السَّاقِ، والأَنْمَىٰ أَنْ لَا يَكُونَ بِمَنَّةٍ بَلْ وَاجِبٌ يَفعَلُ مَا يَحدُوهُ مِن شُكْرَانٍ، ذَلِكَ لِأَنَّ الصِّدْقَ فِي العَطَاءِ أَثْمَارُهُ نَاضِجَةٌ حُلْوَةٌ لَا مُرَّةٌ عَجْرَاءَ.

 ولَا يَبِيتَنَّ أَحَدُكُمْ مُحتَاجًا إِلَّا حَاجَتَهُ تَقضُونَ، ولَا تَخْشَوُا الفَاقَةَ وأَنْتُمْ قَادِرُونَ، وهَلْ يُغَادِرَنَّ أَحَدكُمْ حَيَاتَهُ آخِذًا مَعَهُ خَزَائِنَهُ خَلَا المَأْفُونِ صِنوَ قُبُورٍ ومَا كَانُوا فِيْهَا يُلقُون، ومَا فِيهَا مِن كَنزٍ يَدَّخِرُ أَخَيْرًا مِن تَرَافُدِ أَيْدِي القُلُوبِ، عَارِيًا كَمَا جَاءَ يَرحَلُ، قَبْضَتُهُ فَارِغَةٌ إِلَّا مِن نُورٍ مِن أَفْئِدَتِهِ يَفِيضُ، ذَلِكَ يُمْلِيهِ الضَّمِيرُ كُلَّمَا سُئِلَ عَنْ لُبِّ سِرٍّ وأَسْرَارٍ، فَٱسْأَلُوا ضَمَائِرَكُمْ وٱطِيعُوا، إِذًا لَنْ تُمنَعُوا البِرَّ أَنْ يَنَالَهُ المُحتَاجُونَ، وخَيْرُ البِرِّ مَحَاسِنُ الأَخْلَاقِ مِن كُلٍّ عَلَىٰ الآخَرِينَ.

 ومَنْ مِنكُمْ يَضْمَنُ أَلَّا تَصِيرَ كُنُوزُهُ الَّتِي كَنَزَهَا فِي أَيْدٍ أَبْرَحَتْ بِإِسْرَافِهَا غَاوِيَةً تَسْفَحُهَا عَلَىٰ مَلَاهِي الحَوبَةِ ومَسَارِحِ التَّرَفِ، فَإِذَا هُوَ فِي إِقَامَتِهِ كَانَ حَارِسَ مَالٍ لِخَلَاعَةٍ وفُجُورٍ، وذِكْرَاهُ بَعدَ رَحِيلِهِ لِسُخْرِيَّةِ فَمَا كَانَ لنَفسهِ المَحرُوبَةِ مِنْ إِتِّزَانٍ، آلآ سَاءَ مَحيَاهُ لِغُثَاءٍ ومَمَاتهُ خَيْرٌ لِفَنَاءٍ، أَنفِقُوا بَعضًا مِنهَا ولَوْ كَانَ يَسِيرًا، بَذَارًا تُلْقُونَهَا أَرضًا طَيِّبَةً أَبَدًا تُكْحِلُ أَعْيُنَكُمْ بِالخُضْرَاءِ ورُؤْيَةِ الإِشْرَاقِ، وخَيْرُ الإِنفَاقِ رِفْعَةُ المُجْتَمَعِ لِلرَّفَاهِيَّةِ والحُرِّيَّةِ والعَدْلِ.

 الحَرِيُّ إِنَّكُمْ لَا تَخْشَونَ العَطَاءَ، لِأَنَّ مَنْ يَخشَىٰ العَطَاءَ لَا يَسْتَحِقُّ الحَيَاةَ الَّتِي تَضُمُّهَا جَوَانِحُهُ، ولِأَنَّ حَتَّىٰ جَوَانِحَهُ وحَيَاتَهُ مُنِحَتْ بِسِرٍّ مَا لَهُ عَطَاءً، فَكَيْفَ بَعدَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ مُعطَاءً، الأَوثَقُ أَنْ لَا يَخْشَىٰ أَحَدٌ مِنَ العَطَاءِ أَبَدًا، وكُلُّهُ هِبَةٌ مِنَ العَطَاءِ ومَا يُخْفِي، ولَا أَظُنُّ أَحَدَكُمْ إِنْ أَعطَىٰ كُلَّ مَا فِي أَهْرَائِهِ يُسَدِّدُ ثَمَنَ حَيَاتِهِ أَو يَشْتَرِيهَا كَأَجْوَدِ البُرَّةِ والحِبَاءِ لِلنَّاجِي، إِنَّ فِي ذَلِكَ تَذْكِرَةً ومَوْعِظَةً لِلمُقْتَرِينَ، فَلَا تُعرِضُوا يَزْدَدْ وُجُودُكُمْ قِيمَةً لِلبِّ الأَثْمَنِ، وتَمَثَّلُوا بِالسِّرِّ المَانِحِ مِن رَانِيَةٍ عَلَىٰ فَيَّاضِ عَوَاتِكِ النَّفَائِسِ، فَبِالحَرِيِّ إِذًا الجَمَالُ الفَائِقُ تُمنَحُونَ. 

 ومَاذَا يُمْكِنُكَ يَا أَخِي الإِنسَانُ أَنْ تُعطِيَ وأَنتَ كُلُّكَ عَطَاءٌ مِنْ غَيْرِكَ، لِأَنَّكَ مِنَ الرَّحِمِ خَرَجْتَ عَطَاءً مِنْ وَالِدَيْكَ اللَّذَيْنِ جَاءَا مِنْ عَطَاءٍ، إِنَّمَا سَمْعُكَ وبَصَرُكَ ونُطْقُكَ وأَفْئِدَتُكَ وحَتَّىٰ مُوَلِّدَاتُ تَفْكِيرِكَ مِمَّنْ عَيَانًا لَا تَرَىٰ أو مِنْ وَعي غُبَارِ سَدِيمٍ، فَلَا تَبْخَلْ أَو تَتَرَدَّدْ فِي العَطَاءِ، وكُنْ مُعطَاءً بِمَحَبَّةٍ وإِخْلَاصٍ، وَلَا تَتَوَجَّسْ مِنْ عَطَاءٍ أَوْ تَنْكَفِئْ عَنْهُ وهُوَ عَلَىٰ مَخِيطِ الحَقَانِيَّةِ، لِأَنَّكَ أَنتَ أَيْضًا مُحتَاجٌ تَطْلُبُ الخَيْرَ والجَمَالَ، أَلَسْتَ تَطْلُبُ الصِّحَةَ والسَّعَادَةَ وطُولَ العُمرِ والمَعرِفَةَ والفَهْمَ والقُوَّةَ وَالأَمنَ، لِهَذَا أَنْتَ مُحْتَاجٌ تَطْلُبُ، ولَكِنَّ كُلًّا حَسْبَ طَلَبِهِ وحَسْبَ أَوْلَوِيَّاتِ ٱحتِيَاجَاتِهِ، فَكَمَا تَطْلُبُ العَطَاءَ الحُرِّيَّ تُعطِي لِيَسْتَوِيَ لَكَ الضِّيَاءُ فِي قَوِيمَةِ المِيزَانِ، فَكُلُّ مَنْ يَرفَع يَدًا لِأَخْذِ فَيْضٍ لَا بُدَّ لَهُ أَنْ يُلْقِيَ بِالأُخْرَىٰ لِتَفِيضَ فَوقَ المَصَبِّ صِنوَ شَلَالِ المَاءِ، يَتَلَقَّىٰ لِيُعطِي وإِلَّا يَنْضَبْ، وكَذَا سِيَّ الفَتِيلَةُ تَأْخُذُ زَيْتًا لِتُعطِي نُورًا وإِلَّا يَنطَفِئِ السِّرَاجُ.

 إِنَّ الَّذِي تَرتَجِفُ يَدُهُ حِينَ يُعطِي وهُوَ مُقْتَدِرٌ عَلَىٰ العَطَاءِ بِأَرِيحِيَّةٍ ويَعتَصِرُهُ أَلَمٌ مُقْلِقٌ مِنْ بَعضِ نَقصٍ عَلَيْهِ يَقَعُ أَو يَرتَدُّ عَنِ البَاذِلَةِ مِنْ وَسْوَسَةٍ فِيهِ تَمُورُ لَذَمِيمِ مَاسِكَةٍ، فَلْيَقطَعهَا أَو يَربِطْ عَلَيْهَا تَحتَ الرِّدَاءِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَجْهَدْ أَنْ تَكُونَ لَهُ حَتَّىٰ بَنَانُهَا، ولَمْ يَمُنَّنْ عَلَيْهِ مُعطِيهَا حَتَّىٰ بِنَظْرَةٍ فِي عَرَاءٍ مَكْشُوفٍ، ولَعَلَّ نَفْسَهُ لَمْ تُخْبِرْهُ بِذِي الحَدِيثِ، لِتَكُنْ أَيْدِيكُمْ بَيْضَاءَ لَا تُثَبِّطُهَا المَخَاوِفُ ولَا تَمنَعُهَا الأَنَانِيَّةُ عَنْ نَدَىٰ المَعرُوفِ وعَطَاؤُكُمْ مِنْ عَلْيَاءِ السَّمحِ لَا مِنْ سُفْلَىٰ الشُّحِّ ووَضَاعَةِ الإِمسَاكِ، وأَطْيَبُ وُهُوبِ التَّفَضُّلِ لَيْسَ لِمَصلَحَةٍ تُرْجَىٰ، بَلْ هِبَةٌ طَيِّبَةٌ مِنْ بَيْضَاءِ النَّفْسِ وحُرَّةِ الذَّاتِ، أَلَا إِنَّ أَجْوَدَ الإِحسَانِ مَكَانَة تَعرِيَةُ النَّفْسِ مِنْ أَدرَانِهَا لِرَوقَةِ النُّورِ.

 الرَّبِيعُ حِينَ يَمنَحُنَا أَزْهَارَهُ لَا يَسْأَلُنَا أَنْ نُجْرِيَ فَوقَ أَرضِهِ المَطَرَ مِنْ مَزْنِ السَّمَاءِ، كَذَلِكَ إِخْوَةُ الرِّفْدِ إِنَّمَا العَطَاءُ جَوهَرُهُ التَّسَامُحُ والأُلْفَةُ والوِدَادُ، لِأَنَّ لِقْيَاكَ لِأَخِيكَ الإِنسَانِ بِتَهْلِيلِ صِدْقٍ عَطَاءٌ، وأَسْمَىٰ العَطَاءِ أَنْ تَمنَحَ مِمَّا فِي قَلْبِكَ مِنْ جَمَالٍ ومِمَّا فِي حَيَاتِكَ مِنْ إِشْرَاقٍ فِي هَذِهِ المَتْرُوكَةِ لِلنَّاسِ كَافَّةً دُونَ حِسَابٍ.

 إِنَّ الَّذِي تُقَدِّمُهُ يَا صَاحِ عَلَىٰ مَوَائِدِ التَّرَفِ لِلْمُتْرَفِينَ مِنْ زَيْفِ بَهْرَجٍ لَيْسَ مِنْ حَقِيقَةِ العَطَاءِ بِشَيْءٍ، ولَا يَغْدُو أَكْثَرَ مِنْ ظَاهِرٍ بَلْ دُونَ قُشُورِ المَعرُوفِ، فَكُلُّ مَا يُفِيدُ شَخْصًا بِعَيْنِهِ وكُلَّ النَّاسِ ويَدرَؤُهُ وإِيَّاهُمْ لِلْمَسَرَّةِ حَقًّا هُوَ مِنْ جَوهَرِ العَطَاءِ الثَّمِينِ.

 وإِيَّاكَ يَا أَخِي أَنْ تُطَارِدَ الَّذِي وَهَبْتَهُ عَطِيَّتَكَ لِقَيْدِ أَسْرٍ تَنقَلِبُ عَلَيْكَ غُلًّا وأَمْرَاسًا لِأَنَّهُ وَحدَهُ عَنْهَا هُوَ المَسْؤُولُ لِعَاقِبَةٍ مِنْ جُحُودٍ أَو لِجَازِيَةٍ مِنْ إِحسَانٍ، أَلَيْسَ الجَبَلُ العَالِي حِينَ يَهُبُّ النَّهْرَ ذَوَبَانَ ثُلُوجِهِ لَا يَتَّبِعُ جَرَيَانَهُ، بِوَقَارِ سُلْطَانِ العِزَّةِ أَعطِ لَا بِعُبُودِيَّةٍ لِٱسْتِعبَادٍ.

 ولْتَعلَمْ إِنَّ العَطَاءَ يُحَرِّرُ نَفْسَكَ فَمَا مِمَّا بَعدَ يُنضِيهَا كَبُولٌ، كَوَاهِلُكَ تَطْرَحُ بَعضَ أَثْقَالِهَا لِمُهَنَإِ الرَّحمَةِ، بُسْتَانُ ذَاتِكَ يَتَجَدَّدُ لِإِثْمَارٍ نَضِيجٍ بِثَمَرٍ كَثِير مُشْتَهًى وأَطْايَبٍ عظِيمَةٍ زَاهِرَاتٍ.  

 لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَنْ تُعطِيَ، أَلَسْتَ لِعَاصِفَةٍ تَقبِضُكَ لِضَبَابٍ، جَسَدُكَ لِعَفَنِ الأَرضِ ورِحلَتُكَ هَذِهِ لِكَمَائِنِ مُفَاجَآتٍ، ومَا عَطَاءٌ مَا إِلَّا تَقَرُّبَةٌ لِذَاتِكَ لِتَسْتَحِقَّ فِي عَلْيَائِهَا المَقَامَ، ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ حَافِظٌ وَلَو إِلَىٰ حِينٍ، وتَسْبِيحَةُ شُكْرٍ وتَجْنِيحُ ٱنْتِصَارٍ، أَنْ تَمنَحَ فَبِسُمُوِّ إِعطَاءٍ مِنْ صَافِيَةِ ذَاتِكَ لِتُطَهِّرَ نَفسَكَ وتُنَقِّيَ أَفْئِدَتَكَ وتُبَارَكَ رُوحُكَ.

 لَا تَنْدَمْ عَلَىٰ عَطَاءٍ وَلَا تُفرِزِ النَّاسَ بِمَرَايَا نَفْسِكَ لِعَطَائِكَ بَلِ ٱجْعَلْهَا لِلْمُسْتَحِقِّينَ، حَتَّىٰ ولَوْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ لَا يُنَاصِرُكَ، ذَلِكَ أَقْرَبُ لِكَمَالِهَا وأَكْثَرُ أَجْنِحَةً لِأَعَالِيكَ، لَا تُقَلِّبْ أُمُورَ المَسَاكِينِ إِلَّا مِنْ بُعدٍ، ولَا تَكْشِفْ عَورَاتِهِمْ، وٱجْعَلْ طُرُقَهَا مَا يَنْأَىٰ بِهِمْ عَنِ الإِحرَاجِ.

 ٱنْظُرْ وٱنْظُرُوا، إِنَّكُمْ إِنْ أَعطَيْتُمْ مَنْ يَمْلِكُ لَنْ تَشْعُرُوا بِلَذَّةِ العَطَاءِ، لِأَنَّ ذَلِكَ العَطَاءَ لِغَايَةٍ لَا يَسْمُو أَبَدًا، وأَشْبَهُ بِالهَدِيَّةِ أَوِ ٱسْتِعرَاضِ القُدرَةِ عَلَىٰ الإِنعَامِ، ولَكِنْ حِينَ يَكُونُ عَطَاؤُكُمْ لِمَنْ يَسْتَحِقُّ تَشْعُرُونَ بِٱلِارتِيَاحِ وبِسُمُوِّ العَطَاءِ، لِأَنَّ بِهَذَا يَكُونُ عَطَاؤُكُمْ مُنَضَّدًا كَمَا يَجِبُ فِي المِيزَانِ، وكَالمَطَرِ الَّذِي يَنْزِلُ بَعدَ ٱنحِبَاسٍ إِلَىٰ الأَرْضِ العَطْشَىٰ، وكَاللُّقْمَةِ الأُولَىٰ الَّتِي يَتَنَاوَلُهَا الزَّاهِدُ فِي صَومَعَتِهِ بَعدَ طُولِ صِيَامٍ، وكَشَربَةِ المَاءِ العَذْبِ لِلظَّمآنِ مِنْ بَعدِ كَثِيرِ تَعَطُّشٍ، بِهَذَا الاِتِّجَاهِ لِيَكُنْ عَطَاؤُكُمْ، ولْيَكُنْ حَسَبَ ٱلٱسْتِطَاعَةِ ولَو رَغِيفًا مِنْ خُبْزٍ بَائِتٍ جَافٍّ أَو طَرِيٍّ مَدْهُونٍ بِالزَّيْتِ والعَسَلِ.

 لِذَلِكَ يَا أَحِبَّائِي أَعطُوا مَا ٱسْتَطَعْتُمْ، لِأَنَّ العَطَاءَ أَوَّلُ العِنَاقِ الأُخُوِيِّ، بَلْ أَوَّلُ صِدقِ تَوَاصُلِكُمْ مَعَ ذَاتِكُمُ الحَاتِمَةِ، وهُوَ حَجَرُ الزَّاوِيَةِ فِي ثَبَاتِ الإِنسَانِيَّةِ فِيكُمْ لِٱنمَائِكُمْ فِي مَتِينِ كُلِّ مُحكَمِ سُمُوٍّ وجَمَالِ تَنْوِيْرِ. 

 إِنَّ العَطَاءَ أُغنِيَةُ المُحِبِّينَ الفَائِقَةِ العُذُوبَةِ والَّتِي تُعزَف عَلَىٰ أَوتَارِ الحُسَّانِ، كُلٌّ لِيَتَنَافَس تَقْدِمَتَهَا بِنَشْوَةِ حُبُورٍ، ومَا الإِيثَارُ إِلَّا هَالَةٌ مِنْ جَوهَرِهِ الفَيَّاضِ بِالإِشْرَاقِ وإِنَارَةٌ لِمَا لَمْ يَكُنْ يُدْرِكُ.

 الْحَقَّ أَقُولُ يَا إِخْوَةَ الإِحسَانِ إِنَّ أَقْرَبَكُمْ لِنُورِ ذَاتِهِ وأَقْدَرَكُمْ عَلَىٰ المَحَبَّةِ الكَرِيمُ المُعطَاءُ كَثِيرُ الأَيَادِي، أَلآ إِنَّهُ السَّمَيْدَعُ الدَّهْمُوثُ والغَيْدَاقُ الغِطْرِيفُ، ولَا تَحسَبُوا أَنَّ الَّذِي لَا يَملِكُ صَنَادِيقَ الدَّرَاهِمِ والدَّنَانِيرِ ويَبِيتُ أَغْلَبَ لَيَالِيهِ خَاوِيَ المِعدَةِ ويَفْتَرِشُ الفَاقَةَ وهُوَ مُتَلَحِّفٌ مَشَقَّةَ الفَقْرِ لَيْسَ بِكَرِيمٍ مُعطَاءٍ، لِأَنَّ حَقِيقَةَ الكَرَمِ والعَطَاءِ خُلُقٌ رَفِيعٌ فِي عُمْقِ الذَّاتِ، ورَغْبَةٌ بِهَا تَسْكُنُ الجَوَارِحَ تُشْعِلُ أزكَىٰ اليُمنِ، وفَيْضٌ مِنَ النِّيَّةِ الصَّادِقَةِ تُنِيرُ الآفَاقَ بِرَونَقِ البَهَاءِ.

 إِنَّ المَعرُوفَ بَذَارٌ أَصِيلٌ فِي فِطْرَةِ بَعضِكُمْ يَتَسَامَقُ فِي كُلِّيَّةِ تَكْوِينِهِ سِيِّ أَطْيَبِ الشَّجَرِ لِخَيْرِ الثَّمَرِ، كَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ تَمتَشِقُوا الضِّيَاءَ لِسَلِيمَةِ الفِطْرَةِ وتَكُونُوا فِيهَا السُّمَحَاءَ، ولَكِنِ اللَّومُ عَلَىٰ مَنْ يَنكَفِئُ عَنْ جَمِيلِ العَطَاءِ وهُوَ مُقْتَدِرٌ أَلآ إِنَّهُ الشَّحْشَحُ الغَمَلَّسُ.

 إِنَّ العَطَاءَ إِبْدَاعٌ لِأَجْنِحَةِ الحُرِّيَّةِ ونَبْضُ حَيَاةٍ لِلْعَلْيَاءِ، وخَيْرُكُمُ المُعطَاءُ الحَكِيمُ الَّذِي يَمنَحُ الخَيْرَ بِيَدِ المَحَبَّةِ والجَمَالِ، ولَا يَهَبُ العَطَاءَ كَمَا يَجِبُ فِي المِيزَانِ إِلَّا عَلَىٰ يَقِينِ الكُنْهِ هُو ٱلإِنسَانُ.

  من كتاب أجنحة الإرادة والٱنتصار لمؤلفه :

    المهندس أبو أكبر فتحي الخريشا 

  ( آدم )

توثيق : وفاء بدارنة 



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق