الخميس، 12 فبراير 2026


مقاعد الدراسة والمستقبل

النادي الملكي للأدب والسلام

مقاعد الدراسة والمستقبل

بقلم الشاعرة المتألقة : منى رفيق بولس

مقاعد الدراسة والمستقبل

بقلم: منى رفيق بولس – لبنان

لماذا تحضرني مشهديّة مقاعد الدّراسة في زمن يسبق الانتخابات النّيابية، وكلّ عملية انتخاب؟

ولماذا يلحّ عليَّ عقلي لأقرأ هذه المشهديّة وعلاقتها بالمستقبل؟

قد يسبقني القارئ الكريم ويقول: لا غرابة في الأمر، إذ لا مستقبل دون المرور على مقاعد الدّراسة.

جواب مقنع، لكنّني أرى الأمر من منظار آخر. أحاول أن أقرأ الأسماء التي جلست على مقعد واحد، في صفّ واحد، ولسنين طويلة، وحتى اليوم لم تحصل المعجزة، وأنا ما زلت أحاول دون جدوى.

كنت مثلهم ذات عمر، ولا أدري كم من المقاعد استضافني فوق أخشابه. وكنت في كل. عام أبدّل مقعدي، وكان ذلك دليل تقدّم كبير أحقّقه.

لم أقاتل أبداً لأحتفظ بمقعدي، ولم أسئ مرّة إلى من جلس مكاني، ولم أشعر يوماً بخسارته، لأنّ التّخلّي عنه كان مصدر سعادتي، وعلامة تفوّقي، وشهادة ارتقائي إلى صفّ أعلى وموقع أفضل.

غريب أمرنا نحن البشر، نتهافت على مغادرة مقاعدنا ونحن صغار، لنتبوّأ مقاعد أخرى تلائم أحلامنا المحقّقة، لكنّنا ونحن كبار نرتكب الكثير من الموبقات لنحتفظ بها: نبيع أنفسنا، نخون، نغتال الكرامات، نعتمد لغات منحدرة، نقصف بعضنا براجمات الحروف المسنّنة السّامة، ننسى ماضينا، ونمدّ أيدينا لداخل وخارج، ولو دمّرنا الهيكل على رؤوسنا، أو ثقبنا سفينة رحلتنا في عرض المحيط.

ليبقى المقعد مصنوعاً على اسمنا وقياسنا. نرتكب كلّ ذلك  ليبقى لقبنا أصحاب السّعادة. نفعل كلّ ذلك لنظل نجوم الشّاشات، وأرباب حوك المؤامرات، وتدمير قيم الحياة. هو المقعد يسيطر على أدمغتنا، ولو قدّر لنا لالتصقنا به قيامًا وقعودًا ونومًا واستيقاظًا. والويل لمن حاول أخذنا بعيدًا عنه.

من قال إن المقاعد تصنع لأفراد دون غيرهم، وتحفر أسماؤهم عليها، وإنّ المراكز تسجّل ملكيّة دائمة في الدّوائر العقاريّة لأشخاص دون غيرهم؟ والبعض من النّاس عباقرة زمانهم، فيما الآخرون مجموعة مساكين لا حول لهم ولا قوّة؟

مقاعد الدّراسة في سنوات عمرنا الأولى تعلّمنا أنّ في المداورة حياةً وتقدّمًا ونجاحًا، وطريقًا سالكة نحو مستقبل ناجح وباهر. أمّا تمسّكنا البغيض بالمقاعد ونحن كبار، فيعني حتمًا إفلاسًا فكريًّا، وتصلّبًا، وفقرًا، تمامًا كما تفتقر المياه الرّاكدة للنّقاء.

هي الحياة تغيّر فصولها، والأشجار أوراقها، والعصافير رياشها، لأنّ في التّغيير ولادة جديدة بدم جديد وفكر جديد ومستقبل واعد.

لنتعلّم قراءة صفحات الحياة، وحركتها فينا وفي ما يحيط بنا، ولنفكّر بعمق. نحن وكلّ من استعذب الالتصاق بكرسيه زمناً طويلاً، وهو اليوم يدير معارك طاحنة بأسلحة لاأخلاقيّة محرّمة. لنُدرّب أنفسنا على مبدأ التّخلّي الرّاقي عن أطماعنا الصّغيرة الحقيرة التي تشدّنا نحو الأسفل بانحدار معيب، ولنقرأ كتاب القيم الأخلاقية التي تعترف بالإنسان قيمة كبيرة أينما كان، شرط أن يدرك قيمة نفسه، وأبعاد رسالته، وأهمّيّة التّنوّع في العطاءات، بدون أنانيّة، وبعيدًا من فكر يقول: "أنا أو لا أحد"، ويكون له ذلك إن أحاط نفسه بالنّبل والوفاء والمحبّة ونظافة الكفّ والاستقامة.

وليتذكّر أنّنا في عصر الصّورة والمواقف المسجّلة والمحفوظة في أرشيف التّلفزيونات، وكلّ محكوم عليه بماضيه وحاضره، وقد يكون في ذلك إعدام لمستقبله.

تذكروا جيّداً: "وحدهم الأساتذة يحتفظون بمقاعدهم، لأنّهم يتعاملون بالفكر والثقافة والقيم".

بقلم : منى رفيق بولس

توثيق : وفاء بدارنة 



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق