حوار الدهشة.. مع ثقبٍ في الجدار
النادي الملكي للأدب والسلام
حوار الدهشة.. مع ثقبٍ في الجدار
بقلم الشاعرة المتألقة : حنان محمد الجوهري
حوار الدهشة.. مع ثقبٍ في الجدار
على جدارٍ نهشتِ السنونُ أطرافَه،
وقفتُ أمامَ "ثقبٍ" صغيرٍ
لا يلفتُ انتباهَ العابرين.
ظننتُه جرحًا في جسدِ الحجر،
فإذا به فمٌ يحملُ لغةَ الصمتِ البليغة.
اقتربتُ منه،
فشممتُ رائحةَ حكاياتٍ تعتَّقتْ خلفَه.
همستُ له:
أيها الثقب،
ما الذي تراهُ وأنتَ القابعُ في قلبِ الجدار،
عاجزًا عن الحراك؟
نفضَ عن نفسه غبارَ الوحدة،
وأجابَ بصوتٍ يشبهُ حفيفَ الريح
في الممراتِ المهجورة:
"أنا لستُ عاجزًا…
أنا الوحيدُ الذي لا يهتزُّ له جفنٌ.
البشرُ يرونَ الجدارَ فاصلًا،
أما أنا فأراهُ جسرًا.
أنا المساحةُ التي رفضتْ
أن تكونَ طينًا أو حجرًا.
أنا الرئةُ التي يتنفسُ منها البيتُ أحزانَه
دونَ أن يلحظَ أحد.
لقد رأيتُ خلفي وجوهًا غادرتْ
قبل أن تُكملَ قصائدَها،
وسمعتُ وعودًا
صدأتْ تحت وطأةِ الانتظار.
يظنونَ أنني نقصٌ في كمالِ البناء،
ولا يدركونَ أنني الكمالُ الوحيدُ فيه.
فكلُّ ما في هذا البيتِ يشيخُ ويتبدل،
إلا الفراغَ الذي يسكنني؛
إنه الجزءُ الوحيدُ
الذي لا يمكنُ للزمنِ أن يكسره."
قلتُ:
أيها الثقب، ما هو سرُّك الأكبر؟
تنهّد الصمتُ في جوفه وقال:
"سرّي أنني المعبرُ بين عالمين،
أنا العينُ التي ترى ما وراء الستائر
وما تحت الأقنعة.
البشرُ يخافونَ الفراغ،
أما أنا فأمجّدُه؛
لأن. الروحَ لا تسكنُ في صلابةِ الحجر،
بل تحلّقُ في اتساعِ الثقوب.
أنا الشاهدُ الذي لا يهرم،
والسرُّ الذي لا يُمحى،
والنافذةُ الوحيدةُ
لمن ضاقتْ به الجدران
ليُبصرَ المدى.
فحين تمرّون بجدارٍ مثقوب،
لا تشفقوا عليه،
بل انظروا من خلاله؛
فربما تجدون أنفسَكم الضائعةَ
تنتظركم في الجهةِ الأخرى،
حيثُ لا حُجُبَ ولا جدران."
بقلم: حنان محمد الجوهري
توثيق : وفاء بدارنة


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق