( خُذِلتَ .. ففارِق )
النادي الملكي للأدب والسلام
( خُذِلتَ .. ففارِق )
بقلم الكاتب المتألق : عمر أحمد العلوش
( خُذِلتَ .. ففارِق )
نافت خيباتي وخذلاناتي المتوالية الستين؛ عمرًا كاملًا من سوء الظن كنت أقاومه بحسن النية. كل خيبة لم تكن عابرة أدوّنها في سطوري، بل كانت راسخة في وجداني. كل خيبة كانت تعود إليَّ محمّلة بسالفتها وسفالتها.
في كل مرة أراهن على خيرية الآخر، أقول: لعل هذه مختلفة، لكن الخذلان كان أصدق من توقعاتي كلما أحسنت الظن بهم. خذلان يتبعه خذلان، وكأن حسن الظن عندي دعوة مفتوحة لسوء الفعل عندهم.
الخيبات متسلسلة على مدى عمر. إلى أن تجد نفسك أمام حقيقة عارية: أنك كنت الطرف الوحيد الذي أخذ العلاقة على محمل الجدّ. عندها فقط تفهم أن بعض الناس لا يخطئون؛ هم فقط على حقيقتهم، وأنت من أصرّ على رؤيتهم كما تمنّيت، لا كما هم.
لهذا، إذا خُذلتَ... ففارِق. لا تشرح كثيرًا، ولا تكتب بيانات انسحاب، ولا تترك أثرًا لانسحابك، ولا تنتظر اعتذارًا متأخرًا يصل إليك بعد الموت. الفراق هنا ليس قسوة، بل إنقاذ لما تبقى منك. هو احترام متأخر لذاتك التي استُهلكت في المحاولات.
انفض يديك منهم كنفضهما من تراب الميت. لا حقد عليهم ولا شماتة، فقط إدراك عميق أن بعض العلاقات انتهت روحها وإن بقيت أشكالها. التراب لا يُخاصم، لكنه يُزال لأن حمله لا معنى له.
الخيبات، على قسوتها، علمتني شيئًا واحدًا لا يقبل المساومة: أن الرحيل في الوقت المناسب شكل من أشكال الحكمة، وأن البقاء بعد الخذلان ليس وفاءً بل إهانة صامتة للنفس والوجدان. ومن لا يرى قيمتك من المرة الأولى، لن يراها بعد الخمسين، ولا بعد الستين.
إن خفة البيان هنا ليست ضعفًا، ولا هروبًا من الوضوح، ولا تزييفًا للمعنى، بل هو وعيٌ بأنني متصالحٌ مع ذاتي بفراقهم. كما أن خفة البيان في مقالتي رأفةٌ بأولئك؛ رأفةٌ… لا أكثر ولا أقل.
✍️ بقلمي: عمر أحمد العلوش
توثيق : وفاء بدارنة

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق