الأحد، 2 نوفمبر 2025


*** لا تحزن. ***

النادي الملكي للأدب والسلام 

*** لا تحزن. ***

بقلم الكاتب المتألق: سامي المجبري 

*** لا تحزن. ***

الكاتب المتفائل: سامي المجبري

في صباحٍ رماديٍّ من أيام الشتاء، جلس ياسين عند نافذته الصغيرة يتأمّل السماء. كانت الغيوم تتدافع كأنها تحمل هموم الناس جميعًا، والريح تعصف كأنها تذكّره بما فقد. خسر عمله قبل شهرٍ، وابتعد عنه بعض ممن ظنّهم أصدقاء، حتى شعر أن الدنيا تضيق عليه كما لم تضق من قبل.


ظلّ يردّد في نفسه: "لِمَ أنا؟ ومتى يأتيني الفرج؟" ثم أغمض عينيه وترك تنهيدةً طويلة تخرج من أعماقه.


بينما هو كذلك، سمع طرقًا خفيفًا على الباب. فتح، فإذا بجاره العجوز الحاجّ إبراهيم يحمل كيسًا صغيرًا من الخبز الساخن ابتسم العجوز وقال:

"علمتُ أنّك لم تخرج منذ أيام، فجئت أطمئنّ عليك."


جلسا معًا، وبدأ ياسين يحكي قصته، يخرج ما في صدره كما يخرج الربيع مياهه بعد الجفاف. أنصت العجوز في صمتٍ حكيم، ثم قال بابتسامة هادئة:

"يا بُني، لا تحزن، فالله لا ينسى أحدًا. أتعلم؟ قبل عشرين عامًا كنتُ مثلك تمامًا، خسرتُ عملي وبيتي، وكنتُ أظنّ أن حياتي انتهت. لكنّي تمسّكتُ بالدعاء، وكنتُ أقول لنفسي كل صباح: ما دام الله معي، فكلّ شيءٍ بخير. واليوم ترى ما أنا فيه من طمأنينة."


تأمّل ياسين وجه العجوز المضيء بالإيمان، وشعر بشيءٍ يتسلّل إلى قلبه… شيء كضوءٍ صغير في آخر النفق.

في اليوم التالي، قرّر أن يبدأ من جديد. خرج يبحث عن عمل، ليس بوجهٍ كسيرٍ كما الأمس، بل بقلبٍ مطمئنٍ أنّ الأرزاق بيد الله.

لم يجد شيئًا في البداية، لكنه واصل صابرًا مبتسمًا. وبعد أيامٍ قليلة، التقى بصاحب متجرٍ قديم يحتاج إلى من يعينه. كان الرجل يبحث عن شخصٍ أمينٍ قبل أن يكون خبيرًا، فرأى في عيني ياسين صدقًا لم يره في غيره.

بدأ العمل هناك، ومع كل يومٍ كان يشعر أنّ الله يفتح له بابًا جديدًا من الرحمة والرضا.

وبعد شهورٍ قليلة، تحوّل ذلك العمل البسيط إلى بداية مشروعٍ صغيرٍ خاصٍ به، فصار هو من يعين الآخرين، ويقول لهم ما قاله الحاجّ إبراهيم يومًا:  
"لا تحزن، فالله قريب."

وفي إحدى الليالي، وقف ياسين عند نافذته ذاتها، ولكن هذه المرة كانت السماء صافية، والقمر يضيء وجهه. تمتم بصوتٍ خافتٍ ملؤه الشكر:
"سبحان من يُبدّل الحزنَ أملًا، واليأسَ نورًا، والضيقَ رحمة."

ابتسم، وأرسل بصره نحو الأفق البعيد وقال لنفسه:
"لن أحزن ما دام قلبي يعرف طريقه إلى الله."
بقلم : سامي المجبري 
توثيق: وفاء بدارنة 




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق