الجمعة، 14 نوفمبر 2025


*** وجع الحكاية 2. ***

النادي الملكي للأدب والسلام 

*** وجع الحكاية 2. ***

بقلم الكاتب المتألق : سالم حسن غنيم

*** وجع الحكاية 2. ***

في المساء، حين ينام الناس، ويصحو الوجعُ في صدر الكاتب، كان “الحكواتي” يجلس أمام مصباحٍ زيتيٍّ قديم، وأمامه دفترٌ تآكلت أطرافه من كثرة ما مسَّه الحبرُ والحنين.  

لم يكن يكتب ليشتهر…  

بل ليبقى.

كان يقول لنفسه دائمًا:

أنا لا أكتب الكلمات…  

أنا أكتب ما تبقّى من قلبي حين يعجز الكلام.

كلُّ قصةٍ يسطّرها كانت مرآةً لوجعٍ مرَّ به أحدهم، في قريةٍ بعيدة أو قلبٍ قريب.  

كان يكتب عن أمٍّ فقدت ابنها في الغربة، وعن شيخٍ عاش وحيدًا في ظل نخلة، وعن شابٍ كتب رسالته الأخيرة على جدار الزنزانة.


لم يكن الناس يعرفون أن كل تلك الحكايات لم تكن عن “الآخرين” فقط، بل عنه هو…  

عن الكاتب الذي بعثر قلبه على الورق ليخفي خلف الحروف وجعًا لا يُروى.


ذات ليلة، طرق باب غرفته طفلٌ صغير من أبناء الحي، يحمل ورقةً كتب عليها بخطٍّ متعرّج:

«أريد أن أكون كاتبًا مثلك يا عمّ سالم.»

ابتسم الحكواتي، وقال له بصوتٍ متهدّج:
– الكتابة يا بُني ليست مهنة، إنها شفاء…  
  من الألم، من الوحدة، من السؤال.

ثم ناوله قلمًا قديمًا وقال:
اكتب حين يوجعك الصمت،  
ولا تخَف من وجعك،  
فربما وجعك هو الذي سيجعل من كلماتك حياةً للآخرين.

ومنذ تلك الليلة، صار الطفل يكتب كل يوم؛  
يدوّن ما يشعر به، وينقل وجعه إلى الورق بدل أن يحمله في صدره.

وهكذا، أدرك “الحكواتي” أن الوجع الذي خطّه لم يكن عبثًا…   
فمن وجعه وُلد كاتبٌ جديد.
بقلم : سالم حسن غنيم
توثيق : وفاء بدارنة 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق