لغز الساعة الثالثة (قصة 12)
النادي الملكي للأدب والسلام
لغز الساعة الثالثة (قصة 12)
بقلم الكاتب المتألق : محمد الشريف
لغز الساعة الثالثة (قصة 12)
كان مسعود يحمل على وجهه خريطةً من التجاعيد، كل خطٍّ فيها يروي حكاية صراع مع رصيف، أو مواجهة مع ريح. يداه الملفوحتان وسحنته القاتمة شهادةٌ حيّة على عمرٍ من الكدّ. بعد أن أمَّن حياة أبنائه ورحلت رفيقة دربه، فرَّ من ضجيج المدينة إلى منزله الطيني في طرف القرية الجنوبي، حيث النخلات العتيقة تقف كحرسٍ ملكيٍّ لا يغفل.
قضى ليلته الأولى، وعند الثالثة قبل الفجر، شقَّ سكونَ الرمل صوتُ حفرٍ معدنيٍّ: طرق… فنبش… فصمت. استمرّ الحال لياليَ، وفي الليلة الخامسة قرر مسعود أن يقطع الشكّ باليقين.
تسلّل مسعود خلف النخلة الكبرى، وفي يديه فأسٌ قديمة. تحت ضوء قمرٍ شاحب، رأى خيالًا قصيرًا ينبش الأرض بجهدٍ محموم. لم يكن رجلًا، بل طفلًا لم يتجاوز العاشرة، يرتدي ثيابًا بالية تشبه ثياب أهل القرية قبل نصف قرن.
توقّف الصغير فجأة دون أن يلتفت، وقال بصوتٍ بدا وكأنه آتٍ من بئرٍ سحيقة:
«تأخرتَ كثيرًا يا مسعود… لقد بردَ الجهدُ في تراب السنين».
تجمّد مسعود في مكانه؛ فهذا الصوتُ يعرفه جيدًا، إنه صوته هو حين كان طفلًا! اقترب بحذر، فالتفت الصغير إليه، ليرى مسعود وجهه هو نفسه قبل ستين عامًا، لكن بعينين تشعّان حزنًا غامضًا.
أشار الطفل إلى حفرةٍ عميقة وقال:
«كلّ ليلةٍ كنتُ أحفر لأُخرج لك صندوق الذكريات الذي دفنته هنا قبل أن تغويك أضواء المدينة وتسرقك منّا. كنت أخشى أن تموت هناك دون أن تستردّ قلبك».
ناول الطفل مسعودًا جسمًا معدنيًا صغيرًا علاه الصدأ، وما إن لمسته يد مسعود «الملفوحة»، حتى تلاشى خيال الطفل تمامًا مع نسيم الفجر. فتح مسعود الصندوق الصغير، فلم يجد ذهبًا ولا رسائل، بل وجد حفنةً من بذور النخل ومفتاحًا قديمًا، ورسالةً بخط يده الصغير تقول:
«من يعُدْ إلى الأرض، يجب أن يبدأ بالزرع لا بالانتظار».
وقف مسعود والدموع تبلّل تجاعيد وجهه، ونظر إلى النخلات الحارسة، فأدرك أن لغز الساعة الثالثة لم يكن إلا نداءً من روحه القديمة، يخبره أن الحياة في الريف لا تعني اعتزال العالم، بل تعني غرس حياةٍ جديدة في الأرض التي احتضنت طفولته.
مع أول خيطٍ للضياء
لم يعد مسعود ذلك الشيخ المنكسر، بل انحنى ليبدأ بغرس أول بذرةٍ من الصندوق، تحت حراسة النخلات اللواتي بدأن وكأنهن يبتسمن له.
✍️ محمد الشريف
توثيق : وفاء بدارنة


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق