الثلاثاء، 20 يناير 2026


♦️رنينُ المَجاز♦️(قصة 20)

النادي الملكي للأدب والسلام 

♦️رنينُ المَجاز♦️(قصة 20)

بقلم الكانب المتألق : محمد الشريف

♦️رنينُ المَجاز♦️(قصة 20)

بين أنامل ترتجف أمام شاشةٍ زجاجية باردة، وقلبٍ ينبض بذاكرةٍ دافئة، كان جمال يقف على عتبة عالمٍ لا يتقن لغته؛ فبالنسبة له لم يكن الهاتف المحمول سوى صندوقٍ للمكالمات العابرة، لكنه اليوم قرر أن يروض هذا "الوحش التقني" باحثاً عن رائحة الأمس في زوارق الفضاء الأزرق.. وفي ليلةٍ سكنت فيها الأصوات إلا من طنين الحنين، انبثق أمامه اسم الأستاذ مدحت، ذلك الصديق القديم الذي لم تَمحُه السنون. تداخل معه مدحت في حوارٍ غسل غبار ثلاثة عقود، مسترجعين معاً صخب المدرجات الجامعية ورائحة الورق التي كانت تجمعهم قبل أن تفرقهم سبل الحياة.

خلال ذلك الحوار، استيقظت في نفس جمال ذكرى أستاذه الوقور "ماجد نجم الدين"، ذلك الجبل الذي صقل روحه بالحكمة.. تذكر جمال كيف استمرت بينهما المراسلات عبر البريد العادي لسنوات بعد التخرج؛ أظرفٌ زرقاء تحمل طوابع بريدية من مدن شتى، كلماتٌ تُكتب بحبر القلب وتُنتظر بشغفٍ خلف أبواب المنازل.. لكن وذات شتاءٍ بعيد، انقطع الحبر، وضاعت الرسائل في دهاليز البريد، وبقي جمال يحدق في صندوق بريده الخشبي لسنوات دون جدوى، حتى ظن أن الموت أو النسيان قد غيّب أستاذه تماماً.

وبينما كان جمال يغوص في قائمة "أصدقاء قد تعرفهم"، قفز أمامه اسم "نورا نجم الدين". توقف قلبه للحظة، وتساءل: "هل يمكن أن تكون هي خيط الوصل؟". تلمس ملفها الشخصي بحذر، فوجد صورة لرجل مسن يبتسم في حديقة، ورغم أن الزمن قد غرس تجاعيده في وجهه، إلا أن العينين كانتا هما عينا الأستاذ ماجد.. أرسل لها رسالة يملؤها الرجاء، وجاء الرد كالغيث: "نعم، أنا ابنته، وهو دائماً ما يتحدث عن تلميذٍ وفيّ ضاعت رسائله في مهب الريح".

أرسلت نورا رابط صفحة والدها، وبضغطت زرٍ واحدة، انفتحت بوابة زمنية عبر اتصال فيديو.. ظهر وجه الأستاذ ماجد، أبيض الشعر كقمة جبل غطاه الجليد.. ساد صمتٌ مهيب، قبل أن يقطعه صوت الأستاذ المرتعش: "جمال؟ هل هذا أنت يا بني؟ أم أن هذه الشاشة تخدع شيخوختي؟".. بكى جمال وهو يقول: "أستاذي، أنا جمال الذي ما زال يحتفظ بآخر رسالة ورقية منك منذ عام 1995، الرسالة التي لم تكتمل!".

تحدثا لساعات عن الرسائل التي لم تصل، وعن الأقدار التي تعيد نسج الخيوط المقطوعة.. وفي ختام اللقاء، قال الأستاذ بنبرةٍ حملت وقاراً غامضاً: "يا جمال، لا تظن أن التقنية صدفة، بل هي وسيلة الأرواح لتتلاقى حين تعجز الأبدان، لقد أرسلت لك نورا الآن ملفاً، فيه (الرسالة الأخيرة) التي كتبتها لك قبل ثلاثين عاماً ولم أرسلها لأنني لم أجد طابعاً بريدياً يليق بما فيها.. اقرأها بقلبك حين يشتد بك الحنين".. أغلق الخط، وبقي جمال يحدق في الشاشة، يراقب وميض الملف الجديد، مدركاً أن الأمل لا يشيخ، وأن الحروف الصادقة تظل معلقة في الفضاء حتى تجد مستقرها، مهما طال السفر. 

✍️ #محمد_الشريف

توثيق : وفاء بدارنة 



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق