السبت، 24 يناير 2026


*** إهمال متواصل. ***

النادي الملكي للأدب والسلام 

*** إهمال متواصل. ***

بقلم الكاتب المتألق : ماهر اللطيف

*** إهمال متواصل. ***

(خاطرة)

بقلم: ماهر اللطيف

خُلقنا لنموت، وهذه حقيقةٌ طبيعية ومنطقية لا جدال فيها. وبين لحظتي الولادة والموت، نُمنَح فرصة اجتياز امتحان «الحياة»، بكل ما أوتينا من قدرةٍ وقوةٍ ومعرفةٍ وتجربة، كلٌّ حسب إمكاناته وطاقته ومخزونه الوجودي. ثم نُحاسَب غدًا على نتيجة هذا الاختبار في يوم الحشر.

غير أننا، ونحن نخوض هذا الامتحان، كثيرًا ما نتناسى – أو نُغفل عمدًا – معطًى جوهريًا بالغ الأهمية؛ معطًى إن لم نُحسن فهمه واحترامه، فلن يحترمنا، ولن يحقق لنا انتظاراتنا ولا أحلامنا.

هل تعلمون  ما هو؟

إنه ذلك «العدوّ الكوني» الملازم لنا باستمرار، الأكثر قسوة من ظلمنا لأنفسنا، والذي لا يتركنا حتى في نومنا وأحلامنا. تلك القوة الرهيبة التي يستخفّ بها أغلب العرب وجُلّ المسلمين، بل وبعض الأوروبيين وغيرهم من أبناء هذه المعمورة.

إنها قوة تدلّ على عظمة الخالق جلّ جلاله، وعلى دقّة خلقه، وعلى تسييره المحكم للأشياء، تسييرًا لا خلل فيه، كي لا يختلّ نظام الكون ولا يتزعزع سيره الطبيعي.

قوة لا تعترف بالمشاعر ولا بالأحاسيس، ولا بالحالة النفسية أو الصحية أو الاجتماعية، ولا بالمزاج ولا بالظروف.

قوة لا تعرف القلق ولا الملل، ولا التوقف ولا الراحة، ولا التعب ولا الإعياء؛ خلقها الله لتسيير الكون من الخلق إلى الفناء الأبدي، دون التفاتٍ إلى من يأتي أو من يمضي.

مهمتها تنظيم هذا الامتحان الوجودي وتقنينه، ومنح إشارة البداية والنهاية لكل ممتحَن، دون الدخول في تفاصيل الفرض الأكبر.

قوة يهابها العاقل، ويحسب لها ألف حساب، غير أننا – للأسف – نُفرّط في قيمتها، لا سيما في أوطانٍ متخلّفة ما زالت تعيش على أمجاد الماضي، تستنجد بالذكريات والتاريخ هربًا من حاضرٍ مرير، بدل أن تستخلص منه العِبر وتمضي قُدمًا نحو غدٍ أفضل للجميع.

نعم يا سادة، إنه الوقت.

الوقت الذي لا يهتمّ إلا بالزمن الممتدّ من الخلق الأول إلى الفناء الظاهر، لكنه يتحكّم فينا وفي الحيّز الزمني المحدود الذي نعيشه تحت سلطته. إنها فترة الامتحان التي ستحسم مصيرنا يوم القيامة.

فهل احترمنا هذه القوة التي احترمت وجودنا، ومنحتنا الفرصة كاملة لاجتياز فرضنا الدنيوي دون زيادة ولا نقصان؟

إلى متى سنبقى هكذا؟

إلى متى نلهث خلف أمورٍ مادية فانية، ونتجاهل ما يعيننا على فهم الكون، وعلى إدراك عبقرية الله وكمال حكمته؟

إلى متى نُهدر فرص التدارك والتعديل والتحسين، بدل أن نُعدّ ورقة امتحان تليق بقدراتنا وانتظاراتنا وأمانينا؟

فالغاية البشرية من هذا التواجد واضحة: نيل العلامة الكاملة عبر حبّ الله وخلقه، والفوز بشهادة النجاح، وولوج الجنان مع الأخيار والصالحين؛ أولئك الذين عملوا لدنياهم وآخرتهم معًا، وفق الشرائع السماوية ودين الإسلام، الدين الشامل الكامل، الذي فصّل كل ما ذُكر، لكننا – للأسف – نمتلك ذاكرةً ضيّقة لا تتّسع إلا لهذه الدنيا وما فيها من زائل.

توثيق : وفاء بدارنة 



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق