بدوية في مرايا العارفين
النادي الملكي للأدب والسلام
بدوية في مرايا العارفين
بقلم الشاعرة المتألقة : أماني ناصف
بدوية في مرايا العارفين
بدوية في مرايا العارفين،
في البدء
لم تكن البدوية امرأةً تمشي على الرمل،
كانت سؤالًا هاربًا من دفاتر الغيب،
وسرًّا يرفض أن يُحفظ في كفّ عرّاف،
وكانت الصحراء، حين تمرّ بها،
تستعيد أنوثتها الأولى.
في ليلةٍ ساحرة،
خرجت البدوية بفرسها،
تختال مع سحر الطبيعة،
والريح تسرّح شالها،
وصفرة الشمس تنعكس
لونَ الرمالِ على غيماتها،
حتى توارى الشفق قليلًا،
وجاء الغسق يتنافس
مع فتنة الكون الخلّابة.
كان القمر يعكس نوره
على وجوه النجوم،
كأنه يناجي البدوية، يغازلها،
وهي تتماوج مع فرسها،
والابتسامة لا تفارق نغمات خدودها.
وهناك… في مرايا العارفين،
توقّف السؤال عن الأسماء،
وبدأ الحوار بين الروح والمصير.
حوارٌ بين البدوية والراهب والعراف.
البدوية
تلفحها الريح، وشالها يعانق الرمل:
أنا ابنةُ الصحراء…
أقرأ الطريق من أثر القدم،
وأفهم القلب من صمته،
لا أسأل الغيب،
لكن الغيب كثيرًا ما يأتي إليّ.
الراهب.
الراهب
يتقدّم من ظلّ الصليب، وصوته دافئ:
مرحبًا بكِ يا ابنة الضوء والرمل،
في عينيكِ صلاة
لم تُكتب في الكتب،
وفي خطاكِ نشيدُ خلاص.
أنتِ بشارةُ فرح تمرّ على الدير
فتوقظ الأجراس.
البدوية
تبتسم بحذر:
يا صاحب الدير،
الفرح لا يقيم طويلًا عندي،
أنا عابرة كغمامة تعرف طريقها،
ولا تمكث طويلًا.
العراف
يظهر متكئًا على عصاه، وصقره على كتفه، مهلًا:
ليس كل نورٍ بشارة،
ولا كل كل ابتسامة وعد.
أعطني كفّكِ يا بدوية.
البدوية
تمد يدها بصمت:
خذها،
لكن لا تجرحها بالحقيقة
إن كانت قاسية.
العراف
يتأمّل الخطوط طويلًا:
خطوطكِ متشابكة كطرقٍ لم تكتمل،
وقلبكِ فيه ارتجافة انتظار
طال عليها الزمن.
كثيرون يقتربون،
وقليلون يبقون،
وأنتِ بينهما شاردة، كقمرٍ أضاع مداره.
الراهب
يعترض بلطف:
بل أراها روحًا مختارة،
من كُتب لها التيه كُتب لها الوصول،
والقلب الذي يتعب يعرف الله أكثر.
العراف
يهزّ رأسه:
وأنا أرى الجفاف،
تجاعيد الخطوط مسافات،
والأقدار لا تجيد الجمع دائمًا،
عين القمر لا تمطر إلا دموعًا.
البدوية
تنظر إليهما معًا:
عجيبٌ أمركما،
أحدكما يراني وعدًا،
والآخر يراني فقدًا،
وأنا لا أرى إلا طريقي، وإن كان موحشًا.
العراف العراف
ينظر في عينيها:
الصمت في عينيكِ
أصدق من كل ما قيل في حضرة الكلام،
ولهذا… سأصمت.
الراهب
يخفض رأسه،
وبعض الصمت صلاة.
البدوية
تستدير راحلة:
إذن… دعوني أمضي،
فأنا ضيفة جاءت بلا ميعاد،
وترحل دون وعد.
قالت البدوية وهي تتمتم:
ما كنتُ سرًّا في كفوف عرّاف،
أنا سرُّ نفسي حين اخترتُ الرحيل.
لا شيخَ يملك خطوتي أو ظلّي،
أنا بنتُ ريحي، وحيث أمضي أكون.
ما بين قولٍ وقول مضيتُ أحمل صمتي،
ويقيني بربي هو المعين والدليل:
«مضيتُ بلا دليلٍ سوى الله… فدلّني عليَّ».
قلمي: أماني ناصف
توثيق : وفاء بدارنة


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق