الأربعاء، 28 يناير 2026


معادلاتُ الصَّبرِ.. وأطفالُ غزّةَ الأبيّة

النادي الملكي للأدب والسلام

معادلاتُ الصَّبرِ.. وأطفالُ غزّةَ الأبيّة

بقلم الشاعر المتألق: أ. د. أحمد عبد الخالق سلامة

قصة قصيرة: معادلاتُ الصَّبرِ.. وأطفالُ غزّةَ الأبيّة

بقلم: أ. د. أحمد عبد الخالق سلامة

مؤسس المشروع العربي لأدب الرياضيات (الرياضيات الأدبية)

أستاذ الرياضيات وعلوم الحاسب

كاتبٌ يرى أنّ الكلمة يمكن أن تكون معادلة، وأن المعادلة قد تكون أجمل حين تُكتب بروح شاعر وأديب.

في نقطةِ الأصلِ على شريطِ الساحلِ الضيق، حيثُ تتلاقى إحداثياتُ الألمِ والأمل، كانت تقفُ الطفلةُ صفر والفتى سين.

كانت صفر طفلةً بعينينِ تُشبهانِ الدائرةَ المغلقةَ على حزنٍ لا يُقاسُ بـأبعادٍ ثلاثية. فقدت عائلتها في ضربةٍ عشوائيةٍ ألغت كلَّ معادلاتِ الحياةِ المتزنة، لتُصبحَ هي ذاتها ناتجًا لـمتواليةٍ من الخسائرِ لا نهايةَ لها. جلست  على مصفوفةِ الركام، تتأملُ المعادلةَ المكسورةَ لبيتها، وتتساءلُ بـمنطقٍ طفوليّ:

«لماذا لم تكن هناك دالّةٌ تحمينا؟ أو قانونٌ يمنعُ هذه القسمةَ الظالمةَ لأرواحنا؟»

أمّا سين، فكان فتىً بعينينِ تُجيدانِ فكَّ الشفراتِ المعقّدة. شهدَ كيف تحوّل المستقبلُ في غزّة إلى متغيّرٍ غيرِ مضمونٍ، وكيف أنّ المتوالياتِ الهندسيةَ للقصفِ لا تُبقي حجرًا على حجر. كان يحملُ في داخله حساباتٍ دقيقةً لكلِّ خسارةٍ وفقدانٍ، لكنَّ المُعاملَ الثابتَ في قلبه كان دائمًا هو الأمل.

في يومٍ من أيّامِ الضرباتِ المتكرّرةِ التي تزيدُ من أُسِّ الألم، التقى صفر وسين تحت منحنى سماءٍ مُلطّخةٍ بالدخان. لم يتحدّثا، بل تبادلا نظراتٍ كانت كـمصفوفةِ رسائلَ مُشفَّرة:

صفر تُرسلُ إشارةَ الفقدِ المطلق، وسين يستقبلُها بـمعادلةِ الصبرِ غيرِ المنتهية.

رفع سين حجرًا صغيرًا، وبدأ يرسمُ على الأرضِ خطوطًا ودوائرَ؛ كانت هندسةَ بيتٍ جديدٍ يحلمُ به، بيتٍ بلا نقاطِ ضعفٍ أو ثغراتٍ يمكنُ للقصفِ أن يخترقها. نظرت إليه صفر، ورأت في رسوماته احتمالًا لـمعادلةِ سعادةٍ قد تتحقّق يومًا.

وفي تلك اللحظة، أدرك سين أنّ قيمةَ الحياةِ لا تُقاسُ بما نملك، بل بما نستطيعُ أن نعيدَ بناءَه من ركامِ الألم. وأنّ صفر ليست مجرّد رقمٍ، بل هي نقطةُ انطلاقٍ جديدة، ترفضُ أن تكون ناتجًا لـمعادلةِ  اليأس، وتصرُّ على أنّ تكاملَ الصبرِ سيُثمرُ نصرًا، وأنّ خوارزميةَ الحياةِ في غزّة، وإن كانت مكتوبةً بالألم، ستُختتمُ حتمًا بـبرهانِ الصمودِ والحرية.

توثيق : وفاء بدارنة 



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق