♦️ صدى القصيد ♦️ (قصة 23)
النادي الملكي للأدب والسلام
♦️ صدى القصيد ♦️ (قصة 23)
بقلم الكاتب المتألق : محمد الشريف
♦️ صدى القصيد ♦️ (قصة 23)
على حوافِّ المدينةِ الغارقةِ في دُجنةِ الشفق، كان "منصور" يهشُّ على غنمه بوئامٍ وئيدٍ.. كانت الشمسُ تلملمُ ما تبقّى من أذيالها الأرجوانية، تاركةً خلف التلال ظلالًا غريبةً لجنودٍ لم تألف الأرضُ وقعَ خُطاهم. إنهم قوات "ما وراء البحر"، انتشروا كالأفاعي في العشب الطويل، يرقبون سكون الليل ليباغتوا "حيَّ القصبة" ويقتنصوا رجالًا نذروا أرواحهم للحرية.
استوقفه طابورٌ من العساكر، كانت وجوههم جامدةً كأنها قُدَّت من صخرِ بلادهم الباردة.. تقدمهم شابٌّ من جلدة الأرض لكنه يرتدي بزّتهم، كان هو "المترجم" الذي يقف في المنطقة الرمادية بين لغتين وعالمين.
نبح القائد بلغةٍ معدنيةٍ خشنة، فصاغها المترجمُ بهدوءٍ حذر: — «يقول لك القائد: إلى أين المسيرُ والليلُ قد أرخى سدولَه؟»
تفرّس منصور في عيني المترجم، فقرأ فيهما بريقًا غامضًا، مزيجًا من الخوف والولاء الدفين.. أجاب الراعي بصوتٍ رصين: — «أنا غريبٌ يطردُ الجوعَ عن قطيعه، وجهتي "قرية الوادي" غربًا، حيث العشبُ لا يزال يذكرُ المطر.»
نقل المترجمُ الإجابة للقائد، ثم اقترب من منصور بحجّة تفتيش مِخلاته، وهمس بلهجةٍ محليةٍ تقطرُ عَجَلًا: — «تغيّر وجهتك يعني الهلاك؛ لقد قلتُ لهم إنك للغرب تمضي، فلا تكذبني فيستبيحوا دمك. المدينةُ خلفك ستستيقظ على البارود، والذئابُ قد أعدّت المشنقة.»
سرى شعورٌ كالكهرباء في أوصال منصور.. المناضلون في القصبة لا يعلمون أن الموت يزحف نحوهم على أطراف أصابعه.. كيف يطير بالخبر والعيونُ الصدئةُ ترصدُ أنفاسَه؟
تذكّر أن بعض هؤلاء الغزاة قد التقطوا بضع كلماتٍ من لغة العرب، فقرر أن يغزلَ من التحذير أغنية، ورفع عقيرته بحُداءٍ جهوريٍّ، كأنه يسلّي وحشة الطريق، لكن كلماته كانت رصاصًا مغلّفًا بالاستعارة:
يَا سَارِيَ اللَّيْلِ إِنَّ الرِّيحَ عَاصِفَةٌ
وَالطَّيْرُ غَادَرَ فِي الإِدْلَاجِ مَأْوَاهُ
بِتْنَا نَظُنُّ بِأَنَّ الغَرْبَ وِجْهَتُنَا
وَالشَّرْقُ أَضْمَرَ مَا لَا النَّفْسُ تَخْشَاهُ
يَا حَارِسَ الحَيِّ خَلِّ البَابَ مُنْغَلِقًا
إِنَّ الضِّبَاعَ تَلُوحُ اليَوْمَ أَشْبَاهُ
توقّف منصور، ومسح بيده الخشنة على رأس عنزةٍ صغيرة، بينما كان القائدُ يرمقه بريبة، وسأل المترجم عن فحوى هذا النحيب. ابتسم المترجم ببرودٍ احترافي وقال: — «إنه بدويٌّ أحمق، يغنّي لغنماته شاكياً قسوة الريح في الغرب، ويدعو ربَّه أن يحفظ قطيعه من الضياع في الفلوات.»
هزَّ القائد رأسه بزهوِ من لا يفهم كبرياء اللغة، وأشار له بالمضي.
انطلق منصور بقطيعه وئيدًا حتى توارى خلف أول انحناءةٍ صخرية، وهناك تحوّل الوقارُ إلى إعصار. ركض كمن يطاردُ عمره الضائع، متسلّلًا عبر الشِعاب الخلفية حتى أشرف على "حي القصبة". لم يجرؤ على الدخول خشية الحصار، بل أخرج نايَه الخشبيَّ، وعزف لحنًا قصيرًا حادًّا كالنحيب.. لحن "النفير".
في تلك اللحظة، كان رجالُ القصبة يقرؤون "صدى القصيد"، وما إن. دلف أول جنديٍّ بين الزقاق الضيّقة، حتى وجد البيوتَ أطلالًا خالية، والريحَ تصفّرُ في الممرات.. لقد عبرت الرسالةُ من تحت أنوف البنادق، وبقي الراعي يرقبُ من بعيدٍ ذيولَ خيبتهم، وهو يتمتم:
«وحدهم أصحابُ الأرض يفهمون لغةَ ريحها».
✍️ محمد الشريف
توثيق : وفاء بدارنة


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق