♦️ ترنيمة الغابة الزرقاء ♦️ (قصة 16)
النادي الملكي للأدب والسلام
♦️ ترنيمة الغابة الزرقاء ♦️ (قصة 16)
بقلم الكاتب المتألق : محمد الشريف
♦️ ترنيمة الغابة الزرقاء ♦️ (قصة 16)
في أقصى الشمال، حيث تغفو غابات "التايغا" تحت لحافٍ من الضباب الأزرق، كان الشاب "أوليكساندر" يشق طريقه بين أشجار الصنوبر التي تعانق السحاب. كان أوليكساندر صياداً جسوراً، ملامحه منقوشة من صخر الجبال، وعيناه بلون الجليد الذي يغطي نهر "دنيبر" في الشتاء، يحمل على كتفه قوساً عتيقاً وفي قلبه كبرياء يضاهي شموخ القياصرة.
في ذلك الصباح البارد، حيث تتلألأ بلورات الثلج فوق الأغصان كأنها قطع من الماس، نصب أوليكساندر فخه المتقن عند حافة منحدرٍ صخري. كان يطمح لصيد صقرٍ ملكي أو بازٍ شامخ ليروضه، لكن حين سمع صوت اهتزاز الشرك، اندفع ليجد طائراً صغيراً غريباً، ريشه مزيج من ألوان الغسق، وعيناه تلمعان بذكاءٍ يفيض بروحٍ قديمة.
أمسك أوليكساندر بالعصفور بين أصابعه الخشنة التي اعتادت مصارعة الرياح. في تلك اللحظة، خُيل إليه أن صمت الغابة تحول إلى صدىً مهيب، وكأن روح الشاعر القديم قد حلت في ذلك المكان، فتمثلت الأبيات في مخيلته وهو ينظر إلى طريدته الهزيلة:
نُبِّـئتُ أَنَّ البازَ عَلَـيَّ مَرَّةً
عُصفورُ بَرٍّ ساقَهُ المَقدورُ
فَتَكَلَّمَ العُصفورُ بَينَ مخالبه
وَالبازُ مُنهَمِكٌ عَلَيهِ يَطيرُ
شعر أوليكساندر بارتعاش الطائر، لكنه لم يكن ارتعاش خوفٍ فحسب، بل كان كأنه نبرة احتجاج صامتة تتسلل إلى وجدانه. نظر العصفور إلى عيني الصياد، وبدت زقزقته الضعيفة في أذن أوليكساندر وكأنها كلماتٍ بليغة تصيغ الحجة تلو الأخرى:
ما فيَّ ما يُغني لِمِثلكَ شِبعَةً
وَلَئِن أكلت فَإِنَّني لَحقيرُ
توقف أوليكساندر ملياً. تأمل الفوارق؛ يده القوية التي تستطيع كسر غصنٍ يابس بلمحة، وهذا المخلوق الذي لا يزن ريشة. شعر الصياد فجأة بخجلٍ نبيل؛ فكيف لـ "بازٍ" مثله، يطارد الأحلام الكبيرة في أصقاع "سيبيريا" و "أوكرانيا"، أن يرضى بقتل روحٍ لا تسد رمقاً ولا تروي عطش القوة؟
لمعت في عيني أوليكساندر شرارة من الترفع، وأطلق ضحكةً خافتة تلاشت في هواء الغابة البارد، ثم تمثل البيت الأخير كأنه دستورٌ للفرسان:
فَتَبَسَّمَ البازُ المُغَرُّ بِنَفسِهِ
عَجَباً فَأَفلَتَ ذَلِكَ العُصفورُ
بسط أوليكساندر كفه العريضة، فاندفع العصفور نحو السماء كأنه سهمٌ من نور، تاركاً خلفه ريشةً واحدة استقرت في ثنايا ثوب الصياد الفروي. عاد أوليكساندر إلى كوخه الخشبي البعيد، لم يكن يحمل صيداً في جرابه، لكنه كان يحمل حكمةً أثمن من الذهب: أن ترفعك عن الضعيف هو ذروة قوتك.
✍️ #محمد_الشريف
توثيق : وفاء بدارنة


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق