السبت، 4 أكتوبر 2025


*** خرافات. ***

النادي الملكي للأدب والسلام 

*** خرافات. ***

بقلم الشاعر المتألق: حمدي عبد العليم 

*** خرافات. ***

هراءٌ ما قاله لي

العَرَّافُ الذي ظنَّ

نفسَه يدركُ الأسرارَ


فكلُّ ما هنالكَ أنني

قلتُ: المشهدُ الذي

يحدثُ الآنَ كأنني

رأيتُه من قبلُ قد حدثَ

كما هو، والآن، فهل

تتكرَّرُ الحيَواتُ والأقدارُ؟


قال العَرَّافُ:

يا هذا، أنتَ

لم تكن شيئًا سوى ماءٍ وراثيِّ الشكلِ

والطباعِ في أصلابِ وتَرائِبِ آبائكَ القُدامى،

سواءٌ أكانوا خيرينَ أو من عصبةِ الأشرارِ.


ثم سقطتَ من بَرْقِ الشهوتينِ دافقًا لَزِجًا،

وسكنتَ ثلاثَ غُرَفٍ في جوفِ أُمِّكَ،

فمن رَحِمِها إلى بطنِها، ثم إلى الكيسِ السَّلويِّ،

حيثُ عليكَ الانتظارُ.


وبعدَ شهورِكَ الخمسِ الأولى،

بدأتَ تسمعُ نَبضَ قلبِ أُمِّكَ،

وبدأتَ تَشُمُّ روائحَ طعامِها،

وتأكلُ معها،

وتجعلُها تَشتهي أنواعًا وتَرفضُ أنواعًا،

وكأنَّكَ تَنصحُها:

هذا صالحٌ لكِ، وهذا يُسبِّبُ بعضَ الأضرارِ.


وتقادمتْ بكَ الشهورُ،

فبدأتَ تسمعُ صوتَ أبيكَ وهو يُناقشُ أمَّكَ

بكلامِ الحُبِّ، والسَّريرِ الحميميِّ،

ومسؤوليةِ ميلادِكَ الثقيلة،

وربما كانتْ تدبُّ بينهما الخلافاتُ

ويشتعلُ العراكُ والشِّجارُ. 

وكلما كنتَ تسمعُ صوتَ العراكِ،

تضيقُ وتَتدخَّلُ،

وتَضرِبُ جوانبَ بطنِ أمِّكَ، وهي الأقربُ لكَ،

وأما أبيكَ فكانَ يَهدأُ هُدوءَ الجَبانِ،

ويُعلِنُ عن هذه المشاداتِ الفِرارَ.


وأكثرَ من مرةٍ، تَشاءمتَ من النُّزولِ إلى هذه الدنيا،

التي يختلفُ فيها كلُّ ذي جوارٍ،

وأكثرَ من مرةٍ،

تنقلبُ وتَلُفُّ الحبلَ السُّريَّ حولَ رقبتِكَ،

وتحاولُ فعليًّا الانتحارَ.


وأما الآنَ، وبعدما وُلِدتَ،

وأنتَ لا تعرفُ من أنتَ،

وأين كنتَ ومتى وكيفَ تكوَّنتَ،

وتَسألني عن تكرارِ مشهدٍ الآنَ كأنَّكَ رأيتَه زمانًا،

أقولُ لكَ:  اقرأ كتابي عن: استنساخ الأرواح…؟


فقلتُ له:

﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾، صدقَ الله العظيمُ.


وأما أنتَ يا أيها العَرَّافُ،

فما أنتَ إلا جاهلٌ أو حِمارٌ،

وأما أنا فَوُلِدتُ بروحي

بإرادةِ الله لعبادةِ الله،

ولن أقرأ كتابًا كتبَه عَرَّافٌ أحمقٌ من الكُفَّارِ.

بقلم : حمدي عبد العليم 

دراسة نقدية للنص

بقلم / يمينة القحطاني

~~~~~~~~~~~~~~~~

1️⃣ البنية والموضوع

النصّ عبارة عن مشهد شعري–نثري (قصيدة نثر أو نص مفتوح) فيه حوار داخلي بين المتكلِّم (الراوي أو الشاعر) وبين العَرَّاف. الموضوع يدور حول سؤال الوجود وتكرار المشهد/القدر وبداية التكوين البشري في الرحم.

تتوزع البنية على:

استهلال بالرفض (“خرافات… هراء ما قاله لي العراف”).

عرض لحُجّة العراف (تفسير مادي بحت لتكوّن الإنسان).

استدعاء مشاهد التكوين الجنيني (بتفاصيل حسيّة لافتة: نبض، روائح، ضرب جوانب بطن الأم).

ثم ردّ الشاعر بالآية القرآنية، فينتصر للمنظور الإيماني على المنظور العرّافي.

2️⃣ اللغة والصورة

اللغة غنية بالتشبيه والتصوير الحسي (مثل “برق الشهوتين” و“ثلاث غرف في جوف أمك”).

هناك مزج بين اللغة العلمية/الفيزيولوجية (الكيس السلوي، الحبل السري) وبين لغة روحانية ميتافيزيقية (الروح، استنساخ الأرواح). هذا التداخل يعطي النص قوته وفرادته.

استخدام السرد بضمير المخاطب (“أنتَ”) يحوّل القارئ إلى طرف في الحوار.

3️⃣ الفكرة الفلسفية

النص يواجه فكر “التكرار الكوني” أو “عودة الأرواح” وهو موضوع شائك في الفلسفات الشرقية، ويضعه في حوار مباشر مع المنظور الإسلامي (الآية ﴿قل الروح من أمر ربي﴾). في النهاية ينتصر الشاعر لحرية الروح وإرادة الله على “خرافة العراف” وكتابه عن استنساخ الأرواح.

4️⃣ البناء الشعري والإيقاع

النص ليس موزونًا على بحر خليلي، لكنه يحمل إيقاعًا داخليًا قويًا من خلال التكرار (وأكثر من مرة… وأما الآن… قال العراف…). هذا يخلق توازيًا إيقاعيًا شبيهًا بالتراتيل، ما يمنحه بعدًا دراميًا.

5️⃣ الجرأة والصدق

يتميز النص بجرأة تصوير مرحلة الجنين وسرد تفاصيل حسية/نفسية قد يتهيب الشعراء الخوض فيها. الشاعر هنا يعرضها دون مواربة، فيكشف هشاشة الإنسان قبل أن يولد.

خلاصة الدراسة

النص يطرح حوارًا وجوديًا بين الإنسان والقدر، بين الروح والجسد، بين العلم والإيمان. يدمج السرد الشعري مع الحسّ العلمي، ويعتمد على مشاهد حية لإقناع القارئ. قوته تكمن في:

صدق التجربة الروحية.

الصور الحسية المدهشة.

الإيقاع التكراري الذي يعكس صراع الفكرة.

خالص التحايا لصديقنا شاعر النون 

حمدي عبد العليم..

توثيق: وفاء بدارنة 



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق