#بين النظرة والحدث #
النادي الملكي للأدب والسلام
#بين النظرة والحدث #
بقلم الشاعر المتألق: د.محمد دغشر
#الإعلامية ريم بو قمرة
#د.:محمد دغشر
#بين النظرة والحدث #
ــــ
أتُدرِكين ماذا يعني أن رجل يمنيا عاش نصف عمره في الحرب والنصف الآخر في انتظار انتهاء الحرب. يجد نفسه فجأة مأخوذًا بابتسامتكِ على شاشةٍ تتحدثين فيها عن جبهات القتال . شابٌ ضاعت أيامه بين تصريحات الشرعية وتهديدات الحوثيين وانقسامات الجنوب لكنّه حين يسمع صوتكِ ينسى من انتصر ومن انهزم .ويشعر أن كل الأطراف في هدنةٍ داخل قلبه. أتدرِكين كم يُرهقنا هذا الوجع الوطني . كم صرنا نكره كلمة "عاجل" لأنها لا تأتي إلا بالدم .لكن حين تقولينها أنتِ "خبر عاجل".
نصغي بقلوبنا لا بآذاننا . ننتظر أن تقولي بعدها شيئًا يجعل العالم أجمل . كأنكِ ستعلنين عن انتهاء الحرب أو عن ميلاد وطنٍ من رماد الدمار. انت ياريم عندما تتكلمين يختلط صوتك بالسلام .حين تتحدثين عن "تقدم قوات الشرعية" أرى في عينيكِ خريطة اليمن كما لم أرها من قبل جميلة متماسكة مضمّخة بالأمل. وحين تقولين "تصعيدٌ في صنعاء" أسمع نغمةً لا تشبه نغمة الانفجارات بل نغمةً من وترٍ خفيٍّ يعزف على قلبي فيه حنينٌ أكثر من الرصاص ودفءٌ أكثر من كل بيانات السلام. تتحدثين عن الحوثيين كأنكِ تكتبين رواية لا نشرة . فتجعلين من الشعار سطرَ شعر ومن الميدان فصلًا من روايةٍ تُروى على مهل. حتى الجنوب في حديثكِ يبدو أكثر اتزانًا كأنكِ تمنحين حضرموتَ وقارَ الشيوخ وعدنَ أناقةَ النساء اللاتي يبتسمن رغم التعب. يا امرأةً حين تنطقين كلمة "اليمن" يبدو العالم صغيرًا أمامك وحين تذكُرين "البحر الأحمر" يُخيل لي أن الموج يصفق لكِ احترامًا . فأنتِ الموجة الهادئة في زمن العواصف . والنبأ الجميل في زمنٍ مات فيه كل نبأٍ جميل. قولي لي، كيف تُديرين كل هذا الهدوء وسط نشرةٍ تموج بالقصف والانفجارات . كيف تبقين أنيقةً بين أخبارٍ يملؤها الرماد أهي مهنة أم معجزة. أم أن الله أراد أن يجعل من حضوركِ عزاءً لكل هذا الخراب حين تتحدثين عن غزة يتوقف قلبي قليلًا فما من مدينةٍ في العالم تشبهها في الحزن إلا وجهي حين تغيبين. وما من حصارٍ أقسى من ذاك الذي يفرضه صوتكِ على حواسي. وحين تقولين "قُصفَت غزة الليلة الماضية" أرى في شفتيكِ نارين:
نار الحرب ونار الفتنة التي أُبتلى بها كل من رآكِ. يا من جعلتِ النشرات مرايا نرى فيها وجوهنا لا أوطاننا . كم من جنديٍّ في الجبهة أوقف الرصاصة للحظةٍ فقط ليُصغي إليكِ
وكم من محللٍ سياسيٍ نسي ملفاته حين رأى عينيكِ تشرحان الخارطة ببلاغةٍ لا تُدرَّس. لو أعلنتِ الليلة أن الحرب انتهت لصدقناكِ. ولو قلتِ إن الحوثيين صافحوا الشرعية. وإن الجنوب عاد إلى صدر الشمال. وإن البحر الأحمر أصبح أزرقَ كسماء الأمان . لخرج الناس إلى الشوارع يرقصون على وقع صوتكِ. قولي إن صنعاء فتحت نوافذها للسلام. وإن تعز نامت دون سماع قصف . وإن مأرب أطفأت محركاتها لتستمع إلى نشرتكِ المسائية قولي إن كل شيء بخير وسنصدق لأننا لا نصدّق الأخبار، لكننا نؤمن بكِ. أتعلمين لقد صار وجهكِ اتفاقية سلامٍ مؤجلة وصوتكِ هدنةً لا تحتاج توقيعًا. صار المذيعون رجال سياسة والمشاهدون فصائل متعبة وبقيتِ أنتِ وحدكِ "الوطن المؤنث" الذي نحلم به كل مساء. يا امرأةً تُعلنين الموت وكأنكِ تتحدثين عن ولادةٍ جديدة وتروين الحصار وكأنكِ تصفين عطرًا جديدًا. ما ذنبنا إن أحببنا نشرة الأخبار لأنكِ فيها ما ذنبنا إن بتنا ننتظر القصف لا لنحزن بل لنراكِ على الشاشة تبتسمين بأسى. قولي لي بصراحة هل تدركين أنكِ أخطر من الحرب ذاتها فالرصاصة تقتل جسدًا واحدًا أما نظرتكِ فتقتل ألف قلبٍ في لحظة. يا أجمل مذيعةٍ عرفها زمن الحرب ويا عنوان النقاء في زمنٍ كلّه غبار . يا نشرةً لا تُقدَّم بل تُعشَق قولي فقط: "هنا اليمن . وسأرد: وهنا قلبي
بقلم : د.محمد دغشر
توثيق: وفاء بدارنة


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق