قراءة لقصيدة بدون عنوان للشاعر التونسي طاهر الذوادي ( المقطع السادس)
النادي الملكي للأدب والسلام
قراءة لقصيدة بدون عنوان للشاعر التونسي طاهر الذوادي ( المقطع السادس)
بقلم الشاعر المتألق: محمد هالي
قراءة لقصيدة بدون عنوان للشاعر التونسي طاهر الذوادي ( المقطع السادس) (يتبع)
محمد هالي
المحور الاول: من أجل فهم دلالات تجليات الواقع شعريا
القصيدة:
و سأظل أرقص وحدي
أمام تغيير شكل الكلام
و شكل الماء
و شكل الضياع
وشكل النواح
أحتطب طرفة الحرائق
من جنازة النار و الريح
كي لا تكون آهاتنا صرخة الليل
و ركضنا وراء الزمن
زفير على أرصفة التاريخ
و سأظل في منتصف الليل
في منتصف الحريق
في منتصف الهشيم
في منتصف الصرخة
في منتصف القهر
و في منتصف القصيدة
أسأل
و لا أحد / لا أحد
يجيب سواي
لأنني كنت وحدي
أناك في أناي
هدير الجرح و أنين الناي
طاهر الذوادي
التحليل:
استطاع الشاعر أن يحول طرق التفاعل مع المحددات المحيطة به، كما كان يرقص ضمن محددات كثيرة ظل في نفس الوقت منعزلا متفردا بل مقصيا من التضامن أو التفاعل مع الآخر، مادام هذا الغير تنحى جانبا في فرجة دائمة، و تركه في معمعات الضباب، و القتال و الرصاص، الصورة هنا أبلغ حين يتغير الكلام و الماء و يسقط في الضياع، لم تكن هذه الراقصة سوى منطقة صغرى تطل على شاطئ كان المتنفس الوحيد فاصبح محاصرا بالرصاص و الطائرات و الدرونات و كل أشكال الدمار الشامل، إنه وحده المستمر في اتجاه اللامحدود أو اللاأفق ، بين تبدلات كثيرة تؤثر على هذه الوحدة، فلم يعد شكل الماء ، و لا شكل الكلام كما كان جمبلا منفتحا على العالم، إنه الضياع بين القصف المتواصل و الموت المتواصل بل بلغة الشاعر نفسه "أحتطب طرفة الحرائق
من جنازة النار و الريح
كي لا تكون أهاتنا صرخة الليل"
هكذا تبدو المشاهد من حيث تغير كل الأشكال و الأدوار و الاحداث، فالشاعر يضع الذات كآلية تتغير بسرعات زائدة فحين اشتد وطيس التطبيع و الزيادة في تشابك المصالح بين عدو جشع و أصدقاء غضوا الطرف عن القضية ككل، ركض الشهداء و المقاومون و الأسلحة البسيطة و المعقدة محاولين إرجاع القطار إلى سكته المعهودة. كانوا يركضون وراء الزمن كزفير على أرصفة "التاريخ ليعانق كل المنتصفات
"و سأظل في منتصف الليل
في منتصف الحريق
في منتصف الهشيم
في منتصف الصرخة
في منتصف القهر "
بحيث كل هذه الأشكال عايشها الغزيون و يعيشينها على شكل حريق دائم، بل على شكل بقايا أشياء محترقة قابلة للكسر و الذوبان لن يجدي الصراخ و لا العويل و لا البكاء إنه القهر المنتشر في كل الأمكنة قهر السلاح و قهر الأعداء و قهر الإخوة الذين باعوا الهمم، لم يعد هناك من يخبر عن الجرائم الكل مقصوف، و الكل معلول، لم ينج من الكآبة و الحزن أحدا: لا طفلا و لا امراة و لا صحافة و لا من يدون الخبر، حتى المعالج تقطفه النار على شكل جثة، أو على شكل اشلاء ، يصف الذوادي هذا البلاء و هذا القلق ، و الغضب في منتصف القصيدة ، ليجسد الموقف بالسؤال الافتراضي المغبون: أيوجد أكثر من ذلك؟ سيظل هذا السؤال حائرا مستفزا لكل جواب, و مادام المجيب في حالة غياب أو في حالة ذهول أو رعب أو في حالة تطبيع و عمالة فإن المجيب هي غزة نفسها أو الشاعر نفسه لأنهما انصهرا في قلق واحد أو رعب واحد أو عجز في صد كل هذا الطوفان ، غزة بقيت وحدها تتكبد كل هذا الألم، كل هذه الأنا المتجددة تبدو أنا شاعرية تنصت ل"هدير الجرح و أنين الناي " ليبدو المقطع الشعري الأخير على شكل تراجيديا قلقة مما يحدث، مما يجعل لازمة ،"كنت وحدي" التي جسدت منطلق كل المقاطع تعبيرا عن وحدة غزة في المشهد العالمي كبقعة جغرافية تباد عن آخرها أمام فرجة العالم و خطاب العدالة الدولية و حقوق الإنسان تزف لنا أخبارا مسيئة للإنسان تتصدى لهدير الجراح و أنين القنابل و الرصاص في غفلة عن الانسانية و روح العالم المتحضر المتجدر في العنف و الإقصاء ، و تجسيد منطق القوة خدمة لمصالح الأقوى في هذا العالم.
بقلم : محمد هالي
(يتبع)
توثيق: وفاء بدارنة



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق