الخميس، 2 أكتوبر 2025


*** غربة وطن. ***

النادي الملكي للأدب والسلام 

*** غربة وطن. ***

بقلم الكاتب  المتألق : كريم آل سعيد الكناني 

*** غربة وطن. ***

قصة قصيرة

✦✦✦


عاد أبو سراب...

لم يحمل حقيبة، بل غبار الأسئلة.

صرخ بلا وعي، وهو يقبّل التراب:

"أنا ابن سمراء الأرض...

أنا ابن النخلة العذراء."


لكن الريح ردّت بضحكة عفنة،

قهقهةٍ تشبه خزي المراحيض:

"اقبض... وطنك خراب،

ونهارك يتوسّد كتف الألم."


مضى أبو سراب مثقلاً بالدهشة.

الشوارع فقدت ملامحها،

النهر يابس،

والزقاق الذي خرج منه أول مرة

صار غريبًا عنه.

اللافتات بلا عيون،
لغة الضاد تتلعثم،
والهوية تتنكر في لهجةٍ مكسورة.
الموت يمشي علنًا،
يُمدح الذم... ويُذم العُلا.

نام أبو سراب في جفن الليل،
يرتجف من فم الحوت،
ومن سقوط الأشياء حيرى.

بحث عن نهر الطفولة،
عن ساقيةٍ كانت توزع البهاء...
فوجده يختنق بجثثٍ بيضاء
مطمورة تحت القمامة.

ناجاه:
"ما بك يا نهر؟ أين عذوبتك؟
ماؤك كان فراتًا عذبًا سائغًا للشاربين!"

فأجابه الهمس:
"لا تقف... لا تنظر... اهرب.

شقوق الجدران وحدها آمنة في وطن الوجع."

توضأ أبو سراب من سراب الأرض،
وقال:
"الأرض لنا...
لكن الأسماء غريبة عنا.
أين اختفى الجميع؟"

فأجابه النهر:
"الجميع هنا...
لكنهم في صمتٍ أعمى.
ارجع حيث أتيت."

فوضع يده على التراب، فاحترق.
عندها أدرك أن الوطن لم يعد ترابًا،
بل جرحًا أبديًا.

✦ الحاج كريم آل سعيد الكناني

توثيق: وفاء بدارنة 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق