الاثنين، 13 أكتوبر 2025


***  أمة الإحباط. ***

النادي الملكي للأدب والسلام 

*** أمة الإحباط. ***

بقلم الكاتب  المتألق: ماهر اللطيف 

***  أمة الإحباط. ***

بقلم: ماهر اللطيف

يبتسم، يسخر، يشير بيده إلى خبرٍ في الجريدة:

"تكريم الكاتب منصور منصور بمناسبة فوزه بلقب كاتب السنة، وترشحه للتنافس على جائزة نوبل للأدب مع نخبة من كبار الأدباء والكتّاب".

يتهكم على الرجل ويسعى بكل ما أوتي من قوة لتقزيمه والتقليل من شأن ما أنجزه.

وسانده في ذلك بعض الحاضرين الذين شاركوا في الجلسة — جميعنا موظفون، لم نكتب يومًا جملة خارج عملنا، ولم نطالع كتابًا غير صفحة "برجك اليوم" أو "صدى المحاكم" أو "صدى الملاعب" عبر الصحف اليومية حين كانت لها هيبة —

بل وشرعوا في نسج الحكايات وبث الإشاعات عن هذا الكاتب الفذّ، الذي لا شكّ أنه سيتفاجأ بما يُقال عنه، مما يجهله هو نفسه.

قال التيجاني، موظف بنك، ساخرًا وهو يرتشف قهوته، يدخّن سيجارته، يضع رجلًا على رجل، ثم يلتفت إلينا طالبًا الانتباه:

— منصور منصور؟ مواطن بسيط استغل فراغ الساحة من المبدعين الحقيقيين فبرز بينهم. إنه كاتب عادي جدًا، لا أكثر. قط بري يرى نفسه أسدًا في غابةٍ غاب أسودها أو مرضوا.

أجابه عبد الوهاب، عون استقبال بوزارة التربية:

— نعم، هو أحسن السيئين. كتاباته

متواضعة ورديئة في أغلب الأحيان، لولا منصات التواصل الاجتماعي التي نفخت في صورته، وصنعت منه فارسًا مغوارًا لا يشق له غبار.

أضاف نوفل، رئيس مصلحة بإدارة النقل، وهو يفرك كفيه ضاحكًا:

— مرشّح لجائزة نوبل للأدب؟ (قهقه) استغفر الله العظيم! إنه زمن الغرائب والعجائب، حيث سمكة صغيرة تنافس القروش من أجل السيطرة على البحار وأعماقها.

وتدخّل سهيل، إداري بمعهد ثانوي، متبرمًا:

- تصوّروا أنه سيتحصل على آلاف الدولارات، ونحن نقبع في مكاتبنا نبحث عن مليم إضافي نشتري به ما نصبو إليه. (صمت لحظة) أَيحسب نفسه نجيب محفوظ؟ إحسان عبد القدوس؟ طه حسين؟ أم ميخائيل نعيمة؟ يا له من معتوه! طبل فارغ، منفوخ بالهواء، يرقص السامعين ويطربهم في لحظات لهو ومجون.

واصلوا اللغو، وأنا أنصت في صمت، تنتابني الحسرة على ما آل إليه مجتمعنا من تهافتٍ في الأحكام وضبابيةٍ في الرؤية.

تفحّصت الوجوه وتقلب تقاسيمها، أراقب حماستهم وهم يتحدثون عن رجل لم يقرأ له أحدهم سطرًا واحدًا. ثم قلتُ بهدوء:

— هل قرأ أحدكم حرفًا لمنصور منصور؟ (صمتوا)

هل كتب أحدكم مثلما يكتب هو؟

هل نجاحه ينتقص من نجاحكم أو يمسّ حياتكم؟

ألا تعتبرون تفوقه تفوقًا لهذه الأمة قبل أن يكون لنفسه؟

من منكم ساعده على الصعود أو شجّعه؟

هل تعلمون كم جبلًا وصخرةً عبر ليصل إلى القمة؟

هل ستقولون نفس هذا الكلام لو كان الكاتب بيننا؟

ساد الصمت. تبادلوا النظرات والأنفاس، لا غير.

فسألتهم:

— ما هذه الأحكام المسقطة والآراء الهدّامة؟ من منكم يعرفه حق المعرفة حتى يروي ما يروي ويصف ما يصف؟

قاطَعني التيجاني بصوته الخشن وقد

ضاق ذرعًا:

— كفّ عن هذا الهراء يا عبد الهادي، هل أوكلك بالدفاع عنه؟ هذه آراؤنا ونحن أحرار فيها! من يسمعك يخالك متابعًا وفيًا له ولكتبه، مطالعًا ماهرًا. (الكل يضحك سخريةً واستهزاءً)

تركته يهذي، نهضت، وضعت ثمن مشروبي على الطاولة، وغادرت المجلس في صمتٍ يكسوه الغضب.

كان العرق يتصبب من جبيني، وددت لو انشقت الأرض وابتلعتني قبل أن أعيش موقفًا كهذا، يُندى له كل جبين.

في طريق العودة إلى عملي، كنت أفتّش بين صفحات ذاكرتي عن أيّام الجامعة، حين درست الأدب وقرأت لنجيب محفوظ، إحسان عبد القدوس، طه حسين، المنفلوطي وغيرهم.

جميعهم أكدوا أن طريق الإبداع شاق، وأنهم بدأوا هواةً، ثم راهنوا على التفرّد والتميّز، حتى فرضوا أسماءهم وسط الكبار.

فلماذا لا يكون الأمر ذاته مع منصور منصور؟

لماذا لا يحلم ويسعى إلى تحقيق حلمه وملامسة نجوم الإبداع؟

لماذا لا يحق له الفوز بالجوائز واعتلاء المنصّات؟

هل الإبداع حكرٌ على مكانٍ أو زمانٍ أو شعبٍ دون آخر؟

أم أننا ببساطة… أمّة الإحباط.

بقلم : ماهر اللطيف 

توثيق: وفاء بدارنة 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق