الاثنين، 13 أكتوبر 2025


طفولةٌ من غبارٍ إلى ضوءٍ

النادي الملكي للأدب والسلام 

طفولةٌ من غبارٍ إلى ضوءٍ

بقلم الكاتب المتألق: بقلم: بلعربي خالد (هديل الهضاب)

طفولةٌ من غبارٍ إلى ضوءٍ

قصة قصيرة

بقلم: بلعربي خالد (هديل الهضاب)

كان المساء يهبط على الحيّ ببطء، وصوتُ الأذان يمتزج بضحكاتنا التي تملأ الأزقّة الترابية.

كنّا نركض حفاةً، نلعب "الغُمّيضة" و"السبع حجار"، ونبني عوالمنا من أغطية القوارير وكراتٍ صنعناها من الجوارب القديمة.

لم نكن نعرف الملل؛ كانت الحياة تجري في عروقنا كما تجري الشمس في السماء.


وبعد اللعب، كنّا نجتمع في بيت أحد الجيران حول تلفازٍ صغير، بصوتٍ مبحوح وصورةٍ مشوَّشة، ننتظر بشغفٍ لا يوصف موعد الرسوم المتحركة.

كانت البداية مع "غريندايزر"، البطل

الحديدي الذي علّمنا معنى الشجاعة،

ثم ننتقل إلى "ساسوكي" الصغير الذي يقاتل بشرف،

ونضحك مع "زينة ونحول"، ونحزن مع "سندباد" في رحلاته عبر البحار.

وفي المساء كنّا نتابع "سوسن الزهرة الجميلة" و"هايدي" و"عدنان ولينا"، نعيش معهم وكأننا جزءٌ من قصصهم.


كانت تلك اللحظات كافية لتجعل قلوبنا ترفرف فرحًا، دون كهرباءٍ مستمرة، ولا إنترنت، ولا حتى تكييف.

ثم جاءت التسعينات، ومعها أولى لمسات التكنولوجيا الساحرة.

بدأنا نلعب في مقاهي الحيّ على أجهزة "سيغا" و"أتاري"، ثم جاءت معجزةٌ اسمها "بلايستيشن".

قضينا الليالي نحاول الفوز في Tekken وCrash Bandicoot وWinning Eleven

وMetal Slug.

كنّا نصرخ فرحًا حين نسجّل هدفًا، ونغضب حين نخسر، لكننا كنّا معًا؛ وجوهُنا تضحك وقلوبُنا قريبة.

أما اليوم…

أعود إلى الحيّ نفسه، فلا أسمع إلا صمتًا باردًا.

لا ضحكات، لا صراخ، لا أطفال يركضون خلف كرةٍ أو دمية.

كلّ واحدٍ منهم يجلس في زاوية، رأسُه منحنٍ نحو شاشة الهاتف، يحرّك أصابعه بلا وعي، وعيناه غارقتان في ضوءٍ أزرقَ يخطف البصر والعقل معًا.

أسأل نفسي كلّ مرة:

من المسؤول؟

هل نحن الذين استبدلنا دفءَ الطفولة ببرد التكنولوجيا؟

هل الجاني هو الزمنُ الرقميّ الذي منحنا

الراحة وسرق منّا الحياة؟

أم الضحايا هم هؤلاء الصغار الذين لم يعرفوا طَعم التراب، ولا لذّة انتظار الحلقة القادمة من "الكابتن ماجد"؟

كنّا نحلم ونحن نضحك، وهم يضيعون وهم يحدّقون في الشاشات.

كنّا نرفع أبصارنا إلى السماء بحثًا عن نجمٍ أو غيمةٍ تُشبه "غريندايزر"،

أمّا هم… فعيونُهم لا ترى سوى شحن البطارية وعدد المتابعين.

ويشهد الله والعلم، إنَّ البصر اليوم لم يضعف من التعب، بل من فرط النظر في اللاشيء.

والعقول التي كانت تصنع أحلامًا من ترابٍ وألوانٍ،

صارت اليوم أسيرةَ إشعاراتٍ لا تنتهي…

لكنّي ما زلت أؤمن أنّ في مكانٍ ما، طفلًا صغيرًا. سيُطفئ هاتفه،

ويركض نحو الشارع، يضحك، ويبدأ من جديد

رحلةَ طفولةٍ تُشبهنا… حين كان العالم بسيطًا.

نهاية

---

الرسالة

في زمنٍ لم تعرف فيه الطفولةُ غير ضحكةٍ في الحيّ، وكرةٍ من قماشٍ مهترئ، وشاشةٍ صغيرة تُضيء مساءات البساطة،

يعود الراوي بذاكرته إلى عالمٍ كان أنقى من الضوء، وأجمل من الحلم 

لكن اليوم، انطفأت الساحات مرحًا، وابتلعت الهواتفُ ضحكاتِ الأطفال.

فهل يمكن للضوء الأزرق أن يُعيد لنا غبارَ البراءة الأولى؟

توثيق: وفاء بدارنة 



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق