*** قراءة تحليلية. ***
النادي الملكي للأدب والسلام
*** قراءة تحليلية. ***
بقلم الناقد المتألق : محمد هالي
*** قراءة تحليلية. ***
قراءة تحليلية لقصيدة بدون عنوان للشاعر التونسي طاهر الذوادي
المقطع الاول)( يتبع ))
بقلم : محمد هالي
القصيدة:
احيانا احمل جسدي
على شاطئ الأغنيات المكسورة
و أحيانا احمل أسماء جيراني
كي يفلت النهار من الموسيقى
أحيانا ارحب بنظرات الغرباء
على نافذتي الزجاجية
و أحيانا أحمل خيالاً ساخنا
و أصابع فارهة من الإسفنج
كالعائدين من الحرب
ليغرقوا أصص الورد
بالحديث الحائر في خلوة النتف
كنت وحدي
أبحث عن مكان في اللا مكان
و كنت قبل كل ذلك
أكفكف اسمك الفائض عن قبضة النسيان
فم بلا ماء
يغطي بِصمته أقمارنا الميتة
فم بلا فاكهة
نَفَقٌ اسطوريّ يتثاءب بين يدي
شرفات أنهار في المجرة العذراء
تهدهد أزمة الأرواح في تشابك الأطياف
و انسلاخ الظلال عن جناية الحرير
كنت وحدي
و لا أحد في الفراغ سواي
يتناوب صداه
على تمزيق السراب
القافز أمام فمي
نرقص على الثلج
نجرّد الطرائد من آلامها و صراخ الليال الوئيدة في صلواتها
ندخل بكل ما أوتينا من سلام
في وجه الضباب و موائد الغيم
نجمع فتنة الجنون و الأزهار و الألغاز
و القناديل المرتعشة في تجاويف الممرات المنتظرة
أصوات هاجمها حلم لا يجيد اللغة
ننهض كأسطورة في خطوة باردة
تشبه الجريمة
نلبس التراب
و نعلم الموت شدّ الرحال إلى الضياء
و أن الدفن هاوية ليس لها غطاء
ضحكة بلهاء تحتفي بانتصاراتها
بياض يغفو في الدم
و الرايات من ورائها أسماء لا تمحى
ذاكرة بحجم اليابسة
أجراس العودة
حمامة في عشها نازفة
و الزيتون واقف وراء الدمع
و الهوى يفنيه
كنت وحدي
و البسمة على صدري
ايقاع لا يشيخ
و لا شجرة أخرى في كفي
ينام في جرحها الطير
أيها الياسمين المسنون
أيها الطريق الجبلي
أيتها الريح المولولة
أيتها القرى المقصوفة الريش
أيها الصراخ المدّد في ساحة القلب
أيها المستحيل
أيها الحجر الصامت كقبلة
لا مكان في يدي للاتكاء
و مصافحة الموت
أيها الألم
في منتصف الشك
في منتصف القصف
في منتصف البعث
لا هواء أرفعه عاليا
كي يستريح عليه جناح الطير
كنت وحدي
بين الأحايين أرقص وحدي
قدم في الفراغ و قدم في اللا مكان
لأجتث عن أصابع الظل
ازرار الشهوات
و زلزلة الشمع
و اهتزاز التناهيد
في شراشف الطقوس
حفاة ... حفاة ...
ملؤوا الرصيف بالرقص
ملؤوا الزمان بالوقت
ملؤوا الصمت بالرفس
ملؤوا يدي بالأماكن
و حنجرتي بالغيث
و صار لي صوت أقرب من صرختي
و ضاع .. ضاع ...
شكل الضياع
شكل النواح
و شكل الكلام
و لاحت لحظة البشرى
و سأظل أرقص وحدي
أمام تغيير شكل الكلام
و شكل الماء
و شكل الضياع
وشكل النواح
أحتطب طرفة الحرائق
من جنازة النار و الريح
كي لا تكون آهاتنا صرخة الليل
و ركضنا وراء الزمن
زفير على أرصفة التاريخ
و سأظل في منتصف الليل
في منتصف الحريق
في منتصف الهشيم
في منتصف الصرخة
في منتصف القهر
و في منتصف القصيدة
أسأل
و لا أحد / لا أحد
يجيب سواي
لأنني كنت وحدي
أناك في أناي
هدير الجرح و أنين الناي
- طاهر الذوادي
التحليل:
توطئة
كنت أتابع كتابة طاهر الذوادي الشعرية لمدة طويلة في بعض الصفحات الأدبية عبر الفايس على الخصوص، لاحظت الطابع التبليغي القوي التي تتسم به قصائده النثرية إذ كان جد متحكم بالقوالب اللغوية، باعتباره قادر على نسج صور بليغة ذات استعارات قوية ، و في نفس الوقت كنت ألاحظ مدى غلوه في الرمزية التي تتسم بها كتاباته الشعرية إلى درجة الغموض، مما جعل من قصائده تتجه للانتجينسيا أو للخاصة لا يمكن إدراك ما يصبو إليه من ظاهر القصائد ، بل عليك أن تستوعب ما يريد تبليغه من خلال باطن كتاباته لهذا كنت أحاول التهرب من الغوص في باطن هذه الكتابات، و في نفس الوقت كنت شغوفا بأن أدخل في هذه المغامرة إلى أن ظهرت قصيدته المطولة التي لم يضع لها عنوانا ، فقررت أن اتناول ما تتضمنه هذه القصيدة رغم رمزيتها و صعوبة الغوص فيها، حاولت فك بعض شفرات هذه الرمزيات التي تتسم بها كتاباته الشعرية، لعلي أستطيع إبراز ما يصبو إليه الشاعر من خبايا الإنسان و الطبيعة معا، دخلت في هذا المعترك من أجل إبراز عمق كتابة الأديب ، و مدى قدرته على تناول الموضوعات التي لا تخلو من الطابع الفلسفي، وهي تجسد مواقف الشاعر الملتزمة بقضايا الإنسانية ، إنه يقدم تصورا متعاليا في جوهره يشبه إلى حد ما الفلسفة الفينومينولوجية أثناء التحليل أو نيتشويا في فهمه للوجود و في مناحي كثيرة أدونيسيا من حيث الغلو في الرمزية، لكنه يبدو كمحمود درويش من حيث الدلالات الواقعية التي تحيل إليه قصائده ، و يظهر هذا من خلال كيفبة تناوله للأحداث و الوقائع ، إذن فالقصيدة المتناولة هي قصيدة شائكة و معقدة من حيث العلو الرمزي لكنها في نفس الوقت هي تتماهي مع الوقائع و الأحداث المحيط بذات الشاعر، فالأديب لا يعبر بكتاباته إلا عن واقعه المعاش ، لكن شكل التبليغ الذي يختلف من شاعر الى آخر، إن طاهر الذوادي يعد كاتبا متفردا قل نظيره لكن تفرد كتاباته تجعل المتلقي يتيه في امتدادات كتاباته، قد يدرك من اللامباشر المباشر بقدر من التأني و بقدر من الصبر من أجل الفهم، نستطيع ندرك بعض ما يريد الذوادي تبليغه و على هذا المنوال دخلت هذه المغامرة لعلي أستطيع الكشف عما يطمح إليه اديبنا في هذا المجال
الإنساني النبيل.
(يتبع )
توثيق: وفاء بدارنة



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق