الأحد، 5 أكتوبر 2025


*** أنين الحب. ***

النادي الملكي للأدب والسلام 

*** أنين الحب. ***

بقلم الشاعر المتألق: إبراهيم العمر 

لا كطلبٍ عابر، بل كطقسٍ كونيٍّ 

يُعيدُ ترتيبَ النجومِ حولكِ.


أريد أن أكونَ خادمَ أحلامكِ، لا خضوعًا، بل انصهارًا في نسيجِ رؤاكِ،

لأحملَ مشاعركِ كما تحتضنُ السحبُ نبوءَةَ المطر،

وأُطلقها في السماءِ الزرقاءِ على متنِ سحابةٍ من سحرٍ،

تذهبُ إلى آفاقٍ لا تعرفُ الخرائطَ،

حيث السعادةُ ليست غايةً، بل حالةُ وجود.


أريدُ أن تبتسمي، لا لتُضيئي خطواتي فحسب،

بل لتُعيدي تشكيلَ الزمنِ على أرصفةِ الشقاء،

فتغدو تنهيدتُكِ دفئًا يُذيبُ جليدَ المعنى،

ويمنحُ الكلماتِ نبضًا لا يُكتبُ بالحبر، بل يُحسُّ بالروح.


أريدُكِ أن تتفتحي كما تتفتحُ الأكوانُ في لحظةِ خلق،

أن تزدهري على إيقاعِ الربيع،

وترقصَ الفراشاتُ على نبضِ قلبِكِ

كما ترقصُ الأرواحُ حولَ نارِ الحقيقة،

بألحانٍ لا تُعزَفُ إلا في معابدِ الحنين.


أريدُ أن أُعطيكِ كُلَّ شيءٍ، لا من بابِ الكرم،

بل لأنكِ الكونُ الذي لا يُشبَع،

وأكتفي بنظرةٍ من عينيكِ،

تلكَ النظرةُ التي تفتحُ لي بواباتِ العوالمِ السحرية،

وتُعيدُ تشكيلَ خرائطِ الوجود.


أريدُ أن أمنحكِ وقتي، لا كهديّة، بل كذوبان،

وأعدَّ اللحظاتِ التي يمرُّ بها حبُّكِ في وريدي،

كما يعدُّ العاشقُ النجومَ ليعرفَ كم مرةً أحبَّ.


أريدُ أن أخرجَ إلى البحر، لا أهربُ، بل طقسًا تطهيريًّا،

أحملُ أحزاني كما يحملُ النبيُّ رسالتَه،

وأفتّتها على رمالِ الشاطئ،

علَّها تتحوَّلُ إلى لآلئ في صدفةِ الغياب.


أريدُ أن أعزفَ على أوتارِ حياتي إيقاعاتِ أحلامكِ،

أن أستحضرَ السعادةَ من قلبِ كلِّ يوم،

وألملمَ من الأفقِ بقايا الضوء،

كما يُلملمُ العاشقُ بقايا الحضورِ من غيابِ الحبيبة،

وأراقبَ النهارَ وهو ينتهي على عتباتِ الحنين،

كأنني أودِّعُ طفولتي كلَّ مساء.

أريدُ أن أرى النجومَ في كُستنائيةِ عينيكِ،
أن أشعرَ بالشمسِ تتوهَّجُ على خصلاتِ شعرِكِ،
حتى حينَ تُشيحينَ بوجهِكِ عني،
وتغادرين، وتنفصلين عن لمساتِ أناملي،
كأنكِ تخلعينَ عنكِ طيفي.

وإن لم يعُد قلبُكِ يسمعُ لحني،
فلمن، يا فتنةَ الروح، أُغنّي؟
لمن أكتب؟ لمن أستعرضُ فني؟
لمن أكونُ مرآةَ الجمالِ إن لم تنعكسْ فيها ابتسامتُكِ؟

أنتِ باقةٌ من الأزهارِ،
لا تُعطّرُ القلوبَ فحسب،
بل تُعيدُ تعريفَ العذوبةِ،
وتُعيدُ صياغةَ الحياة،
وتسرقُ آمالَها مني كما يسرقُ الليلُ أسرارَ النهار.
الحبُّ ليس مسافةً تُقاسُ بالأقدام،
بل تقارُبٌ يُقاسُ بالنبض.
وإن كانت المسافةُ لا تنقصُ خطوتين،
فهناكَ خللٌ في كلمةِ "نحن"،
تلكَ الكلمةُ التي يُفترضُ أن تكونَ
 جسرًا بينَ اثنين،
لكنَّها أحيانًا تصبحُ متاهة.

في "نحن"، هناك نونان، كلٌّ لطرفٍ،
لكنَّ الحاءَ هي التي تصلُ بينهما،
هي الحرفُ الذي يذوبُ فيه الطرفان،
ويصيرُ الحبُّ.

الحبُّ ليس مونولوجًا،
بل ديالوجٌ من همساتٍ، من ارتعاشاتٍ،
 من صمتٍ مشترك.
الحبُّ لا يُقالُ، بل يُحسّ،
لا يُكتبُ، بل يُعاش.

كلُّ ما فيكِ عندي، 
لكنَّني لا أدري كم تبقّى منّي عندكِ،
على هوامشِ صفحاتكِ،
في هوامشِ الذاكرةِ،
في هوامشِ الحنين.

كلماتي باتت هزيلةً،
وجسدي يسري فيه صقيعُ الغياب،
كأنني في كلِّ صباحٍ أستجدي المشاعر،
أستجدي همساتِ الحنان،
وأصرخُ مع صوتِ الريح،
في مركبٍ صغيرٍ لا يعرفُ المرافئَ، على البحرِ الجريح.

أصواتٌ تأتي من تحتِ أكوامِ الركام،
تدعوني للرحيلِ مع أسرابِ الحمام،
لكنَّني لا أريدُ الرحيل، لأنَّني لم أعُد أشعرُ بأنَّني موجود.

أشعرُ بالجوعِ، لكن لم يعُد عندي شهية،
أشعرُ بالقهرِ، لكن لم يعُد عندي رغبة،

أشعرُ بالحرمانِ، لكن لم يعُد عندي أمل.

أريدُ أن أكونَ، ولكنَّني لم أعُد كائنًا.
أريدُ أن أتنفَّس، ولكنَّني لم أعُد أملكُ
 رئةً للحنين.

بقلم : إبراهيم العمر

توثيق: وفاء بدارنة 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق