"في الموت راحة البائسين"
النادي الملكي للأدب والسلام
"في الموت راحة البائسين"
بقلم الشاعرة المتألقة: فريدة بلفراق
"في الموت راحة البائسين"
قصة قصيرة كانت تحمل على ظهرها طفلا لا يتجاوز العامين من العمر، ملفوفا بإزار معكوف بأعلى صدرها وأسفل خاصرتها، كما كانت تحمل فوق رأسها كيس أسود، به حصيلة ما جنتهُ اليوم من مهنة التسوُّل.
إنها مُرهَقة، مسلوبة الإرادة والكرامة، مُشرّدة البال، مُمزّقة الأواصر، بعدما رمت بها الحياة إلى اختراق المكان والزمان عبر مسافات الآلاف من الكيلومترات، حينما جرفتها أعاصير الصحراء الافريقية إلى جحيم الهجرة الاضطرارية والتيه، للإفلات من الفضيحة. تكاد تسقط من الإعياء وهي تدفع بجسدها النحيل المنتفخ البطن نحو المقاومة لاجتياز شوارع وأحياء غريبة عن ذاكرتها، ترنو الوصول إلى مُخيّم الأفارقة المهاجرين بطرق غير قانونية، المتمركزين على ضفاف المدينة، المصنوعة أكواخهم من البلاستيك الأسود والأخشاب والخردوات. فجأة أحسّت بألم ينغز أحشاءها توقفت برهة، حاولت مواصلة سيرها بخطى مُتعثِّرة عبر أزقة فارغة من المارة الساعة العاشرة ليلا من ليالي الشتاء، تريد كسر هاجس الخوف من مخاض وشيك ، لولادة مُبكّرة لجنين سكن جسدها منذ سبعة أشهر كرها وغصبا، ينتفض الآن للتخلص من سجن هذا الرّحم المُدَنّس بنطفة الهتك والجريمة.
تثاقلت خطواتها واشتدت آلامها، فأنزلت الكيس من على رأسها وفكّت ربطة الإزار عن صدرها في حركة عشوائية، ليسقط طفلها أرضا سقطة عنيفة، فعلا صراخه إلى منتهى الشارع النائم، بركت كناقة مذبوحة في زاوية من الشارع تتلوى من شدة المخاض، تتشبّثُ بعمود إشارة الوقوف بيدها اليمنى تخضُّه خضًّا، تكاد اقتلاعه من الإسمنت محاولة الامساك بيدها الأخرى طفلها المُلقى في حالة غثيان إثر ارتطام رأسه بالرصيف، تريد طمأنته بوجودها بقربه. لم تتحمل الوضع ولا سطوة الأوجاع الممزقة للكيان، بدأت تستغيث بصوت مرتفع بلغة بلدها وهي تعلم أن لا أحد يمكنه سماع أنينها في تلك الغربة الموحشة، حينما انزلقت المشيمة وجنينها بين فخذيها نحو الأسفل مُعلّق بها بحبله السُّرِي، تدفقت من تحتها دماء كالطوفان يحمل في طياته كومة من اللحم غير مكتمل اللون والمعالم. أطلقت صرخة منخنقة وجحظت عيناها نحو طفلها الرضيع المُلطّخ بدماء أمه الغارقة في نزيفها، يلفظ أنفاسه الأخيرة، تحاول الدنو منه بحركة يائسة، خارت قِواها وجفّت عروقها وتحولت إلى ورقة في مهب الظلم والظلام، في لحظات الاحتضار تراء لها شريط صور حياتها القصيرة، حينما كانت طفلة تركض بين أترابها، ترفل في دثار البراءة والسكينة لدى والديها، وها هو ذا يوم بلوغها أين زُفّت إلى ابن عمها في عرس بهيج أحيته القرية تكريما لوالدها شيخ القبيلة. كما راودتها تلك الصور المُرعبة من الدمار والحروب الأهلية التي حطّمت أحلامها دفعة واحدة، عندما تم اغتيال والدها وأفراد أسرتها وتشريد عائلتها الكبيرة، لقد قتلوا زوجها بعد اغتصابها أمامه ثم زجُّوا بها وطفلها الرضيع في حافلة نحو المجهول، لغسل عار القبيلة،انهمر آخر ما تبقى من دمع بعيونها الشاخصتين نحو السماء الأسود
تردد بصوت منقطع:
EK WILL TERGGAN NA MY LAND TOE "
"أريد العودة إلى بلدي"
وانطفأت كشمعة نسفتها رياح البؤس والخطيئة البشرية.
بقلم: أد. فريدة بلفراق
توثيق: وفاء بدارنة


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق