الأربعاء، 14 أكتوبر 2026


مدينة لا يعرفها أحد

النادي الملكي للأدب والسلام

مدينة لا يعرفها أحد

بقلم الشاعرة المتألقة : نبيلة متوج

مدينة لا يعرفها أحد

ثمة مدينة لم ترتكب الخرائط خطأ نسيانها، بل عجزت الجغرافيا عن احتمال وجودها.

لا تقع شمال الحنين، ولا جنوب الغياب، ولا تشير إليها الجهات الأربع.

إنها تنمو في المسافة التي يتركها الراحلون بين القلب وما كان يظنه أبديًّا.

لم يضع مهندسو الأرض مخططاتها، ولم ترفع حجارتها أيدٍ بشرية. شيّدتها الكلمات التي ماتت قبل أن تُقال، والرسائل التي ظلت معلقة بين الرغبة والخوف، والوداعات التي انتهت قبل. أن تبدأ.

كلما انطفأ وعد، ارتفع فيها جدار.

وكلما انكسر حلم، انفتح زقاق.

وكلما مضى إنسان تاركًا وراءه سؤالًا بلا جواب، أُضيف إلى المدينة باب لا يفضي إلى أحد.

لا يدخلها العابرون بأقدامهم، بل بما أثقل أرواحهم من غياب.

في شوارعها لا تسقط الظلال على الأرصفة، وإنما تسقط أعمار كاملة. قد تمضي بمحاذاة جدار، فتسمع ضحكة نسيتها منذ طفولتك، أو تلمح خلف نافذة وجهًا غاب حتى عن الصور، لكنه ظل يقيم في تلك الزاوية التي لا يبلغها النسيان. 

هناك مقهى لا يغلق أبوابه، ولا يعرف نادله أسماء رواده.

على طاولاته فناجين بردت منذ سنوات، ومقاعد تحتفظ بانحناءات أجساد لم تعد إليها، ورسائل توقفت عند كلمة واحدة، كأن أصحابها خافوا أن يكتمل المعنى فتكتمل الخسارة.

وفي آخر المقهى ساعة فقدت عقربيها، ومع ذلك لا يكف الزمن عن المرور فيها.

أما شارع الخطوة الأخيرة، فلا يعرف أحد أين يبدأ. كل من يدخله يسمع وقع خطوتين، ثم لا يلبث أن يسمع واحدة فقط.

ولا يرى من افترق عنه، بل يرى المسافة التي وُلدت بينهما، وهي تتسع حتى تصبح عمرًا.

على جانبيه أشجار لا تسقط أوراقها في الخريف، بل حين يتذكر أحدهم وعدًا لم يتحقق.

وتحت أغصانها مقاعد لم تعد تنتظر الجالسين، وإنما تنتظر ما كان يمكن أن يحدث لو أن كلمة قيلت في وقتها.

وفي أطراف المدينة حيّ للأحلام التي لم تولد.

بيوت مضاءة لا يسكنها أحد، ونوافذ تطل على حدائق لم تُزرع، وسلالم تصعد إلى غرف لم يكتمل بناؤها.

هناك تتجاور الحيوات التي تخيلناها مع الحيوات التي عشناها، دون أن تلتقي إحداهما بالأخرى.

كل شيء يبدو قريبًا من الاكتمال، كأن المدينة توقفت عند اللحظة التي كان فيها المستحيل لا يزال ممكنًا.

ليس لهذه المدينة سكان بالمعنى الذي نعرفه. إنها مأهولة بما تبقى من الناس في الناس: بنبرة صوت نجت من الغياب، وبرائحة ثوب احتفظ بها الهواء، وبضحكة طفل كبر حتى صار غريبًا عن طفولته.

ولها حراس لا يحملون مفاتيح، ولا يسألون...

بقلم: نبيلة علي متوج

توثيق : وفاء بدارنة 




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق