السبت، 17 أكتوبر 2026


*** سأحكي لأبي. ***

النادي الملكي للأدب والسلام

*** سأحكي لأبي. ***

بقلم الشاعر المتألق : ممدوح نبيل 

*** سأحكي لأبي. ***

#الممدوح

كل الذين

مات آباؤهم

كبروا

إلا أنا

فكلما اشتقتُ

إليك يا أبي

عدتُ إلى العمر

الذي كنتَ فيه

أبي

وكنتُ أنا

مجرد ابن

يستطيع أن يناديك

فتأتي إليه

والآن...

حين أناديك

أسمع صوتي

يرجع إليَّ

وحيدًا

وكأن صوتي

آخر ما تبقّى

من طفلٍ

ينادي

وهو واثق

بأن أباه

لا يمكن أن يتركه

وحيدًا

كبرتُ يا أبي

وكلما كبرتُ

اشتقتُ

إلى النداء الأول

حين كنتُ أناديك

ولم أكن أعرف

أن للصوت

عمرًا يكبر

وأنني سأكبر يومًا

حتى يصبح صوتي

أكبر

من أن يبكي

وأصغر

من أن يحتمل

غيابك

ولهذا

سأظل أناديك

لعل النداء

إذا طال

أعاد إليَّ

طفولتي

ولعل الباب الذي

كنتَ تدخل منه

كل يوم

ما زال ينتظر

أن أكون صغيرًا

كي أراك

مرة أخرى

وكلما طال انتظاري

نسيتُ ما جئتُ

لأنتظره

وانشغلتُ

بما سأحكيه لك

حين تأتي

ثم أهمس

في داخلي:

سأحكي لأبي

ثم أتذكر

أنك مُتَّ

فأبتلع الكلام

وأتساءل:

كم مرة

يموت الأب

في قلب ابنه

قبل أن يتعلم الابن

أن يعيش

بلا أبيه؟

الموت الأول

حين يرحل الأب

والباقي من الموت...

كلما حدث شيء

أول ما أفكر فيه أنني

سأخبر أبي

كأن الموت

لم يأخذك وحدك

بل أخذ

كل الحكايات

التي لم أحكها لك

وكل الأشياء

التي حدثت لي

بعدك

والأشياء

التي لم تحدث

حتى أفراحي

يا أبي

صارت لها وجهان

وجهٌ يضحك

لأن شيئًا جميلًا حدث

ووجهٌ يلتفت

نحوك

كأن غيابك

لم يتعلم بعد

أنك لن تأتي

أتعرف يا أبي

ما الذي

لا يفهمه أحد؟

أنني لا أبحث عنك

في الموتى

أنا أبحث عنك

بين الأحياء

في وجه رجلٍ

يشبه طمأنينتك

في صوتٍ

يناديني

كما كنتَ تناديني

في عينين

تريان تعبي

قبل أن أتكلم

وكأن في العالم

رجلًا واحدًا

يعرفني

قبل أن أعرف

كيف أخفي وجعي

رجلٌ

إذا رآني

متعبًا

عرف لماذا

كبرتُ يا أبي

حتى صرتُ أعرف

كيف أواجه

العالم

لكنني

كلما واجهت الحياة

بحثتُ عن وجهك

بين الواقفين

حتى أصبحت رجلًا

يستطيع أن يحمل

العالم على كتفيه

ولا يستطيع

أن يحمل

خبرًا واحدًا

إليك

يا أبي

كل الذين

مات آباؤهم

كبروا

إلا أنا

فكلما كبرتُ

اكتشفتُ أنني

لم أكن أريد

أن أكبر

إلى هذا الحد

كنتُ أريد

أن أكبر بك

لا من دونك

وأن أصل إلى

آخر العمر

وأجدك هناك

فتقول لي

كما كنتَ تقول:

تعال يا بني

فأجيء

لا رجلًا

هزمته الحياة

بل طفلًا

تأخر كثيرًا

في العودة إلى أبيه.

بقلم : ممدوح نبيل

توثيق : وفاء بدارنة 



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق