الاثنين، 20 أكتوبر 2025


قراءة تحليلية لقصيدة بدون عنوان للشاعر التونسي طاهر الذوادي (المقطع الخامس) (يتبع)

النادي الملكي للأدب والسلام 

قراءة تحليلية لقصيدة بدون عنوان للشاعر التونسي طاهر الذوادي (المقطع الخامس) 

بقلم الناقد المبدع : محمد هالي 

قراءة تحليلية لقصيدة بدون عنوان للشاعر التونسي طاهر الذوادي (المقطع الخامس) (يتبع)

بقلم : محمد هالي 

المحور الاول من أجل فهم دلالات تجليات الواقع شعريا 

كنت وحدي

و البسمة على صدري

ايقاع لا يشيخ

و لا شجرة أخرى في كفي

ينام في جرحها الطير

أيها الياسمين المسنون

أيها الطريق الجبلي 

أيتها الريح المولولة

أيتها القرى المقصوفة الريش

أيها الصراخ المدّد في ساحة القلب

أيها المستحيل 

أيها الحجر الصامت كقبلة 

لا مكان في يدي للاتكاء

و مصافحة الموت

أيها الألم 

في منتصف الشك

في منتصف القصف

في منتصف البعث

لا هواء أرفعه عاليا

كي يستريح عليه جناح الطير


يواصل طاهر الذوادي مساره الشعري بلازمة حبد أن يجعلها المنطلق "كنت وحدي" لتظهر في أغلب المقاطع كنوع من أنا معزولة أو ذات متفردة لكنها في العمق توجد ضمن محددات أعمق من الوحدة ذاتها كونها مرتبطة بخاصية تفاؤلية  ك"بسمة على الصدر" ب"إيقاع  لا يشيخ" من حيث ديمومتها داخل الحياة  ،  لم تتسع و لو ل"شجرة واحدة  ينام في جرحها الطير ، هذا الإيقاع الثابت  لا يتسع لأي اكتضاض أو اقتسام المكان فهو لا يصلح حتى لما هو طبيعي في الوجود كشجرة "تحتضن الطير" فقط الوحدة و الصراخ في عبق الألم  كجرح لا يلتئم  و كأنه مرض خبيث قادر على الاتساع لكل المناداة، و الانفتاح على أقصى درجات المآسي فتكتض الإسئلة و تتسع بل تنتشر كتدفق مياه الصنبور  المنحبسة في مجرى قابل للانفجار في اية لحظة ، فكيف يكون الياسمين مسنونا ؟ و كيف نستطيع المشي في طريق جبلي  نحافظ على البقاء وسط ريح مولولة؟ هكذا يستمر في خوض هذا الرهان المتعالي المنغمس في حوافر الأسطورة  طيلة هذا المقطع الشعري، ليؤكد  بنفس الخطاب و بنفس المناداة ك "القرى المقصوفة الريش"، و "الصراخ المدد في ساحة القلب" ليصل إلى أعمق استعارة شعرية حين يتجه إلى المستحيل نفسه كآخر مد يمكن الوصول إليه   الذي يتماثل مع مناداة "الحجر الصامت كقبلة" فيظهر خاصية التفرد الفاقد للمكان  فهو لم يتسع و لو

ل "يد للإتكاء

 و مصافحة الموت"

هذه الصور البليغة تظهر الوحدة المتعالية المجردة في أقصى عزلتها ضمن لا زمكانية المنحى تسبح في التجريد كقوة خارقة تقصي الأشياء برمتها بل تقصي تفردها أيضا

بعد هذا التحديد الدقيق للوحدة يتجه بكل فخر الى تحديد دلالة مفهوم الألم  ليزيح عنه  ما يبدو معقدا فهو مرتبط بالشك و القصف و البعث، و البعث إنه الدروة في المعاناة، فهو يوجد

" في منتصف الشك، 

في منتصف القصف

في منتصف البعث"

مما يفرض على الطير بأن يبحث عن مكان آخر للعيش، حيث لم يبق هناك هواء يستطيع أن يريح الطير ، لم يعد هناك هدف و لا شجر يؤثث الوجود على شكل تفريخ و تجديد النسل من جديد، في الحقيقة المقطع ككل ينطلق من الوحدة التي لزمت كل المقاطع لكنها وحدة انطلقت من خاصية التفاؤل من خلال ابتسامة الصدر الذي كان يظهر مناحي الحياة المتعطشة للفرح و السعادة التي تحافظ على البقاء ضمن إيقاعات الحياة  فلا مانعا من الاستمرار دون تحديد عوائق الزمن، إنها الوحدة المتفائلة في عزلة تامة التفرد لا تتسع للأختلاط و لو كان الشيء نفسه من طينة الطير الذي لم يجد مكانا للارتياح ،  لتتبدى المتناقضات بين الخير و الشر أو بين إلتحام غير قابل للتجسد إذ لا يمكن لعطر الياسمين أن يتحول الى اشواك حادة ، كما هو الشأن للطريق الجبلي التي لا تستطيع أن تكون طريقا صالحة للعيش بسلام كما هو الشأن في القرى المقصوفة إلى ما لا يحتمل من تداعيات الأخبار و الآلام المتفشية في كل أمكنة القتال خصوصا في عالمنا العربي إذ لم يعد الصراخ مجديا و لا الإدانات قابلة للتجسيد إنه المستحيل في كل شيء لم يعد هناك فراغات تحتاج للملء ، هناك شقاء متعب و قاس إلى حد الغثبان ، إنه الواقع الظالم يتفشى في كل أمكنة القصف و الموت، ألم يجسد الشاعر هذه المتناقضات على شكل صور تتيح التأمل كما أنها تتيح التيه أثناء البحث عن أجوبة ما عن ما يحدث في واقعنا الحالي؟ الكل الآن يصبح ك"الحجر الصامت كقبلة" بحيث لم يعد هناك مكان للإتكاء بل الكل يرى مصافحة الموت للأطفال و النساء و العجزة بل للشجر و الحجر،  بل أصبح الإستنجاد بالألم و مخاطبته بأعتى تقلبات الريبة هو الافضل،  إنه يثير الشك و يفوق القصف لم يعد الأمر متقبلا إلا في ميكانزمات البعث المتافيزيقي مادام البعث الواقعي محاصرا من كل الجوانب، إنه العجز المتفشي في كل ما يدور في فلكنا لم نعد أقوياء و لا كنا كذلك نلاحظ و نتأمل بحيث لم يعد في مقدورنا رفع الهواء لكي يستريح عليه جناح الطير، هذا هو الواقع المر الذي نعيشه في أزمنة التحضر الجديدة لا مكان للبشر و لا لوحدة تفرده بل لا كائنا آخرا أصبح بإمكانه أن يعيش بسلام فوق هذه الأرض أو ينعم بهدوءها و سكونها فقط الحرب المتجهة إلى الإحتماء بالقوة ، و بجبروت لا يقهر، يفوق المستحيل، يفوق الخوارق و إن بدت الإنسانية عرجاء و عاجزة عن الصد فإن الشاعر يخبرنا بذلك

،"لا هواء أرفعه عاليا

كي يستريح عليه جناح الطير" 

بهذا يكون هذا المقطع من القصيدة قد لامس واقعا مرا أقوى من الحنظل، يعري بتمعن ما يقع في أمكنة عديدة  التوترات و الصراعات و الحروب بحيث لا يمكن تبليغ قساوة ما يحدث الا بخوارق تأخذ من الأسطورة جوانب كثيرة و تأخذ من الخيال أعتى الصور و من لحم المتناقضات أو من  ما يظهر في هذا الوجود للتبليغ، لا يمكن هذا إلا بخلط كل ما هو جميل و خير ضمن ما هو قبيح و شرير، رغم الصعوبة تكمن في كون الشر دائما ينتصر على الخير الى درجة أن "الياسمين مسنونة" و "الحجر الصامت كقبلة"  لنردد لا مكان لنا في هذا الوجود نصافح فبه الموت و نتكيف مع الألم في أقصى تجلياته ما دمنا في بؤر متوترة دائما نفتقد للهواء و نحتمي بالقصف و ننتظر البعث، باختصار أصبحنا نلتحم باللاوجود أكثر من الوجود نتيجة العجرفة و الخيانة و الإنتظارية و مشاهد الرعب و ننتشبت باللامكان عوض المكان ، بل نتقبله مادام هو الخيار الوحيد المتبقي ضمن الهدف المسطر من قوى خارج السيطرة،  تجسد القوة و الهيمنة على البشر و الحجر.

بقلم : محمد هالي 

(يتبع)

توثيق: وفاء بدارنة 




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق