الاثنين، 20 أكتوبر 2025


*** فتوة في غير محلها. ***

النادي الملكي للأدب والسلام 

*** فتوة في غير محلها. ***

بقلم الكاتب المتألق: ماهر اللطيف 

*** فتوة في غير محلها. ***

بقلم: ماهر اللطيف

كنتُ في طريق العودة إلى المنزل مساءً، مترجّلًا، أشقّ الأحياء والطرقات، أعبر الممرات، أحيّي هذا وأحادث ذاك، أمازح آخر، وأناقش رابعًا بكل جدّية.


أحاسب نفسي كلّما اختليت بها، أستعرض نشاطاتي منذ مغادرتي البيت إلى تلك اللحظة، ألومها حينًا وأعاتبها، وأبارك قولي وفعلي حينًا آخر، أتحسّر على ذنب اقترفته كان بإمكاني تفاديه لو ركّزت قليلًا وتعقّلت...


وفجأةً، لمحت مجموعةً من الصبية يقطعون الطريق العام، يتعاركون، يتلاكمون، يتبادلون السِّباب وبذيءَ الكلام، يلعن بعضهم بعضًا، يركلون. 

ويتراشقون بالحجارة والعِصيّ، يقفزون مثل الديكة، ويثورون ثورة الثيران.


اقتربتُ منهم، والخوفُ يعتري صدري، والتردّدُ يختلج نفسي، والرعبُ يستعمر كياني، والعرقُ يتصبّب مني من كلّ صوب.


تجمّع حولهم نفرٌ من الرشد والشيوخ، ففرّقوا الجمع، ووقفوا بين المتخاصمين يحاولون امتصاص غضبهم، علّهم يستعيدون رشدهم قبل الشروع في الصلح.


في الأثناء، توسطتُ الجمعين، وساعدتُ كلّ واحد من الطرفين على مسح دمائه وجبر ما يمكن جبره. جذبتُ شابين جانبًا بهدوء وبشيء من الحزم (فهما جاريَّ في السكن، ووالداهما صديقايا منذ الصغر)، وقلت لهما بنبرةٍ واثقة:

ما شاء الله! ونِعْمَ التربية حقًا! سأتّصل بوالديكما لأخبرهما ببطولاتكما الجبارة!


قال سفيان ابن عبد العزيز، جاري المقابل لي في السكن، متوسّلًا:

— أرجوك عمي نبيل، لا تفعل. أبي مريض هذه الأيام، وقد تسوء حالته إن علم بما جرى.


وأضاف سامي ابن يوسف، جاري الآخر:

— انتهى الموضوع يا عم نبيل، لن نكررها ثانية، أرجوك.


فقلتُ بهدوء أكبر:

— هل لي أن أعلم سبب هذه "الغزوة"؟


تبادلا الاتهامات، وتذرّعا بحجج واهية وأسباب تافهة. ولم أجد وراءها سوى أن سفيان وأتباعه تنمّروا على سامي، فقالوا له

"يا قصير، يا أسود، يا قبيح الوجه!"، فردّ سامي ساخرًا: "يا متخلّف، يا عليل!"، ثم أضاف ما زاد الطين بلّة: "يا ابن الأعمى!" (إذ كان والد سفيان ضريرًا منذ الولادة).


أما سبب اندلاع المعركة، فكان أن سلوى بنت عبد المنعم، عطّار الحي، لم تعد تكلّم سفيان ولا تصاحبه إلى المدرسة، بل صارت تمشي مع سامي! فهاج الأول وماج، وحاول "الدفاع عن رجولته ومكانته في الحيّ".


اصطحبتهما إلى منزلي، رحّبتُ كما رحّبت أسرتي بهما، وقدّمتُ لهما ما لذّ وطاب من الطعام والشراب بعد أن أعلمت والديهما بوجودهما عندي. ثم بدأت بإصلاح ذات البين بينهما، وقلت:

— أما بخصوص الطول والقصر، اللون

والجنس، العائلة والمكان... فهي أمور غيبية تتجاوزنا، لم نخترها، وليس لنا الحق في الاعتراض عليها أو السخرية منها، فالله وحده يعلم ما يفعل.


ما يمكن أن نلوم أنفسنا عليه حقًّا هو تربيتُنا، أخلاقُنا، تمسّكُنا بالدين، ومدى تسلّحنا بالصبر والتفهم والتعقّل... كلّها أمور مكتسبة، فهل راعيتما عائلتيكما أثناء هذا الشجار؟ أهذه تعاليم دينكما؟ أبهذا تحلان مشاكلكما؟

أنتما لم تبلغا بعد، وتتسابقان من أجل فتاة تصغركما سنًّا! أهذا فعل رجال؟


بقينا هكذا أكثر من ساعة، وهما مطأطئا الرأس، باكيان، نادمان، ينتظران نهاية "الخطبة العصماء" ليعودا إلى والديهما بروحٍ جديدة، وعزيمةٍ على التغيير، وإيمانٍ بأنّ العقل أولى من العضلات.

ومنها، تذكّرتُ صغري ومشاكلي التي كانت بعدد شعر رأسي، بعد أن رأيت نفسي في كلا الطفلين وأكثر، إذ كنتُ شريرًا لا أهدأ، أبحث عن العراك والسباب لأتفه الأسباب، لكنّي —حقًّا— لم أجد من يرشدني أو ينهاني أو يردّني إلى الجادّة حينها، فقد كان والدَيَّ مشغولين دائمًا بالعمل لتأمين لقمة العيش.
بقلم : ماهر اللطيف 
توثيق: وفاء بدارنة 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق