الخميس، 1 يناير 2026


شبح المطمور (قصة 7)

النادي الملكي للأدب والسلام

شبح المطمور (قصة 7)

بقلم الكاتب  المتألق : محمد الشريف

شبح المطمور (قصة 7)

تحت لهيب شمس المغيب التي صبغت الرمال بلون الذهب المحروق، كان «سالم» يخطو خطواته الأخيرة نحو واحة «عين النخيل». مسافة يومٍ كاملٍ من المشي المنفرد جعلت حنجرته جافة، ومعدته تلتوي من فرط الجوع. وعلى مشارف الواحة، حيث تبدأ النخيل بالظهور كحراسٍ صامتين، توقّف سالم؛ لم يكن يريد دخول بيت أخواله ببطنٍ خاوية ووجهٍ شاحب، فتذكّر «المطمور».

اتجه نحو ضفةٍ رملية يعرفها جيّدًا، حيث تُخبِّئ العائلات كنزها من التمر تحت طبقات الرمل. جثا على ركبتيه وبدأ يزيح الرمل بلهفة، حتى غاصت يداه ولمست التمر. استخرج بضع تمرات، أكل منها بامتنان، فشعر بالروح تعود إلى جسده.

وطبقًا لعرف  سكان الصحراء، بدأ يعيد الرمل مكانه ويسوّيه بيده، ثم وقف ليدوس بقدمه فوق المطمور؛ وهي العلامة التي تتركها الأقدام ليعرف أصحاب المكان أن «ابنهم» هو من مرّ من هنا، وليس غريبًا. لكن في اللحظة التي ضغطت فيها قدمه على الرمل، تسلّلت برودة مريبة من باطن الأرض إلى كاحله، وقفزت إلى ذهنه حكاية «سدينة».

«سدينة»… تلك المرأة التي غيّبتها الرمال منذ أعوام، وقيل إن شبحها يظهر للمارّة عند الغسق، يحرس المطامير. ساد صمتٌ مطبق، وفجأة خُيِّل إليه أن الرمل تحت قدمه يتحرّك، وصوت يشبه فحيح الريح يهمس باسمه من خلف نخلةٍ عتيقة. لم ينتظر سالم ليتأكّد؛ رمى ما بيده من تمر، وانطلق كالسهم نحو أضواء البيوت، وقلبه يقرع صدره كالطبل.  وصل إلى بيت خاله يلهث ذُعرًا، وحين قصّ عليهم ما حدث، ضحك خاله قائلًا:

— يا بني، سدينة أسطورة لنخيف بها اللصوص.

وفي الصباح، عادوا إلى المكان لتهدئة روع سالم، فوجدوا أثر قدمه واضحًا فوق المطمور كما تركه… لكن بجانبه تمامًا، كانت هناك آثار أقدامٍ صغيرة لامرأةٍ حافية، تبدأ من حافة الحفرة، وتنتهي فجأة عند جذع النخلة، حيث لا أثر لأي كائنٍ بشري.

توقّف الخال عن الضحك، ونظر إلى الرمال بوجوم، بينما أدرك سالم أن «سدينة» لم تكن مجرّد حكاية، بل كانت تشاركه التمر في تلك الليلة.

✍️ محمد الشريف

توثيق : وفاء بدارنة 



 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق