*** الطيف 3. ***
النادي الملكي للأدب والسلام
*** الطيف 3. ***
بقلم الكاتب المتألق : سامي المجبري
*** الطيف 3. ***
بقلمي: سامي المجبري
بنغازي – ليبيا
حاولتُ الصراخ، لكن صوتي لم يعد لي. خرج من فم الشخص الآخر، من ذلك الذي يرتدي وجهي ويبتسم بثقة صاحب المكان. رأيتُه يتقدّم داخل الشقة، يلمس الجدران بحنانٍ أعرفه، يجلس على الكرسي الذي كنتُ أجلس عليه، ويتنفس بعمق كمن عاد أخيرًا إلى بيته بعد غيابٍ طويل. أمّا أنا، فكنتُ أقف خلفه، بلا ظل، بلا وزن، كذكرى تُمحى ببطء.
بدأتُ أسمع أصواتًا لم تكن موجودة من قبل: ساعة الحائط تدقّ أسرع من المعتاد، قطرات ماء تسقط من الصنبور رغم إغلاقه، وحفيف أنفاسٍ تتجمع حولي من كل زاوية. التفتُّ، فرأيتُ وجوهًا باهتة تخرج من الجدران، بلا عيون، بلا أفواه، تراقبني بصمتٍ جائع. كانوا مثلي… ضائعين.
اقترب منّي الشخص الآخر، انعكاسي السابق، ووضع يده على صدري. لم أشعر بلمسة، بل بفراغٍ يبتلعني. قال، بهدوءٍ مرعب:
«كل بيت يحتاج ساكنًا… وأنت تأخّرت».
حاولتُ التراجع، لكن الأرض انشقت تحت قدميّ، وتحولت إلى مرآة سوداء سحبتني إلى أسفل.
وجدتُ نفسي في الممر مرة أخرى: الطابق السابع، المصباح الأصفر نفسه، لكن هذه المرة لم أكن وحدي. كان هناك أشخاص يقفون عند الأبواب، يحدقون في الفراغ، يحملون أكياس خبز، ووجوههم شاحبة بالخوف. حاولتُ تحذيرهم، أن أصرخ: «لا تدخلوا!» لكنهم لم يروني. كنتُ مجرّد ظل.
انفتح باب شقتي القديمة، وخرج منها الرجل… أنا. نظر إليّ، وابتسم ابتسامة انتصار، ثم أغلق الباب بهدوء. عاد المصعد ليعمل، وسمعتُ صوته يصعد من جديد.
عرفتُ حينها الحقيقة الكاملة: الشقة لا تُسكن… بل تختار. وكل من يدخلها، يترك نفسه خلفه، حارسًا للممر، ينتظر ضحية جديدة تعود متأخرة إلى بيتها.
توثيق : وفاء بدارنة


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق