*** خضرة و إدريس. ***
النادي الملكي للأدب والسلام
*** خضرة و إدريس. ***
بقلم الشاعرة المتألقة: فريدة بلفراق
*** خضرة و إدريس. ***
قصة قصيرة/فريدة بلفراق
كانت بالمستشفى، مُستلقية على ظهرها بسرير مُحاذي لنافذة مُغلق زجاجها في ذلك اليوم الماطر من أيام الخريف، المُزدحم بسحُبه المُتسابقة لحجب نور الشمس الفاترة ومحاولة ثنيِ خيوطها البيضاء عن الاختراق و التغلغل عبر المسافات الضوئية، لإلقاء بعض الأشعة الخافتة على فراشها الملفُوفِ بدثار العتمة و برائحة السّقم. عيناها شاخصتين إلى سقف الغرفة ذات اللون الأزرق الرمادي تحاكيان البحر المُضطرب، الفاقد للسيطرة بعد اعصار مُرهِق من الألم المُزعزع للكيان إلى حد الهذيان، لم يبق منها سوى تلك الجفون الذابلة بفقد رموشها بعدما فتكت إبر المعالجة الكيميائية بجسدها المُمتلئ سابقا. محت عنها ملامح الأنوثة و حوَّلتها إلى حطام هيكل عظمي يكسوه جلد أصفر، كما اجتث شعرها من الجذور، فصار كالأرض الجرداء القاحلة، تساقط شعرها الغجري الطويل الأسود الذي كان مفخرة جمالها و مثار حديث و غيرة نساء العائلة و كل الأحياء القريبة، سقط شعرها الفاتن كسقوط مُفاجئ لمزهرية فاخرة من يد طفل عابث دون قصد. تستدير نحو الباب في حالة ترقب و لهفة لرؤية زوجها، جالسة على جمر بركان الانتظار الذي لا يُدركه سواها ولا يشعر ببطء دقات ساعاته غيرها، تعتريها لهفة شديدة لمثوله أمامها وهي تُفكر في تلك اللحظة التي لن يجدها في انتظاره فوق السرير الذي أعياها وملّت من ملازمته طيلة عام من المعاناة و الآلام المُبرحة الممزوجة بالأدوية الآكلة للأحشاء، المُرافقة لتدفق الدماء في العروق المُعلّقة بخيوط السيروم الداعم نسبيا لحركة حياة على وشك الانتهاء. تتذكر آخر زيارة له برفقة أولادها منذ مدة تحسبها دهرا، تترائ لها صورة أطفالها مُحلّقين من حولها، يُكلّمونها بشغف و يُقبّلونها بلطف مخافة الضّغط على وجنتيها الغائرتين في الوجع و تلامسهم بحنان الأمومة بيديها الحاملتين لآثار الوخز والدمار، حينها تلحظ وجه زوجها المُهطعِ يرمقها بعطف وشفقة، يحاول اخفاء دموعه المهيأة للانهمار، فترسم شفتاه الجافتين ابتسامة رحمة، للتخفيف عن حبيبته الضائعة من بين يديه دون حول و لا قوة. تُعيد نظرها نحو ذلك السقف، تحاول طرد هاجس الفجيعة و الأفكار القاتلة للنفس، تطرق باب ذاكرتها المنحنية نحو التلاشي، تبحث عن ذكريات طفولتها ثم لقائها بزوجها إدريس، الشاب اليافع، ذلك الرجل الوسيم الذي لم يتردد في طلب يدها بعد مصادفتها أول مرة قرب منزل أقاربه، حينما كان في زيارة عائلية، تتبسَّم بصعوبة و هي تُعيد شريط يوم زفافها الأسطوري، إنها تُحاول استرجاع كل التفاصيل من ماض حياتها الهاربة من تلك اللحظات الخالدة في ذهنها المُتعب، تتفاعل بتحريك رأسها و كأنها في حضرة الأهازيج و الأغاني الأوراسية المُلهمة للرقص و التماهي و الزغاريد المصحوبة بصهيل الخيول و البارود في ذلك التاريخ الذي لن يعود. يمتلكها حنين لولع زوجها بها و قصة الحب التي عاشتها معه طيلة خمسة عشر سنة من الدلال والغيرة على بعضهما إلى حد الجنون. كانت تضع له كل عام و نصف مولودا جديدا، تعبيرا عن خصوبتها المستمرة وجمالها الغير قابل للتغيّر من أجل الاحتفاظ به ومنعه من التفكير ربما في غيرها، مثلما تُفكّر معظم النساء عندنا إلى غاية اليوم. عاشت أياما سعيدة معه بشهادة كل من عرفهم. تعود من ذلك البُعد الزمني السارح في الخيال لتتساءل بغمغمة، تُرى ماذا يفعل إدريس طيلة هذه المدة التي أقبع فيها هنا بعيدة عنه؟ ألا يزال يحبني؟ هل سأعود إليه؟ تتسرب دمعة من مقلتها اليُسرى تؤجج نار الفقد و تزيد في عمق الجرح إلى أقصى مداه إلى أن تلتقط أنفاس الواقع، في انتظار زيارته بقلق شديد، لأنها تشعر بفائض من البوح و كثير من الكلام ترغب في سماعه منه، لديها شوق غير عادي في لقائه و احتضانه و النظر إليه... بينما كان يُفرغ ما تبقى من قارورة العطر التي أهدته إياها قبل مرضها العام الماضي بمناسبة عيد الفطر، همَّ بالخروج حين استوقفته والدته عند عتبة الغرفة سائلة:أين ذاهب يا ولدي؟ و لماذا ترتدي بدلة العرس؟ أنسيتَ أن زفافك بعد ثلاثة أيام و قد حضَّرنا كل شيء؟ ارتعشت فرائصه واحمرّ وجهه بردّة فعل صاخبة، من قال لكم أريد أن أتـزوج ؟ لا يمكنني خيانتها، لا أستطيع العيش مع غيرها، هل تفهمين يا أمي؟ سأزورها ببدلة عُرسنا ووضعت لها عطرها الذي تُحبه، أومأت برأسها تُهدّء من روعه و تحاول اقناعه بأنها عاجزة عن الاعتناء به و بأطفاله الستة و أن خضرة مرضها خطير بعدما أكّد الأطباء وصولها إلى المرحلة الأخيرة بعد انتشار المرض الخبيث في جسدها، انتفض مسرعا نحو الفناء، الأعمار بيد الله و هرع اتجاه باب الدار، انتبهَ إلى ابنته الكبرى التي ما تزال طفلة تقف في ذهول تحمل أصغر اخوتها مفزوعة مما حصل أمامها للتو، احتضنهما و قبّل جبينها ماسحا بيده على شعر صغيره، متمتما لها اعتني بإخوتك حتى أعود و مضى مسرعا الى الشارع يمتطي سيارته، حالت دموعه المُنبثقة دون التفاته إلى أولاده المُشرئبّة أيديهم خلف السيارة بحركة وداع ولحاق والدته حافية القدمين من فرط الحيرة على طريقة خروجه، مُشيِّعة بنظراتها المُطلة على الباب اختفائه على الطرف الآخر من الشارع. يريد قطع مسافة السبعين كلم الفاصلة بينهما بسرعة البرق، تتراء له صورة تلك الفتاة الفاتنة الجمال التي أحبها و اختارها شريكة حياته، كانت تملأ دنياه بمرحها وحيويتها، واستقبالها له بعد كل عودة من يوم شاق من العمل بابتسامتها الآسرة، بشَعرها المنسدل على كتفيها، بعناقها الدافئ و حلاوة حديثها، صور تمر كومضة من حلم جميل تَحوّل إلى كابوس مُرعب منذ سنة، بعدما تم اكتشاف اصابتها بورم في أثدائها و خضعت لعمليات جراحية زجّت بها إلى العلاج الكيمائي الذي لا يرحم. فانهار إدريس و فقد طعم الحياة و ظل يحتسي مرارة الفراق أمام منظر حبيبته تنطفئ كالشمعة المُحترقة التي أنارت لياليه المظلمة، متشبثا بحبل الصبرو الأمل.
تتوالى الأحداث في ذهنه المضغوط و دمعه المنهمر يحجب عنه رؤية الطريق، فيشعر بغثيان وخفقان سريع في القلب، كلّما اقترب بمسافات من المستشفى، إلى أن سمع صوت خضرة يناديه من بعيد: إدريس إدريس، رفع يده اليمنى عن المقود مجيبا اياها خضرااااااا. توقف كل شيء، باغتته شاحنة مقصورة في منعرج خطير، لقد لفضت خضرة أنفاسها في اللحظة التي ارتطمت سيارة إدريس بالشاحنة، وكان لقاء أرواحهما الأبدي في. السماء. .............................
بقلم : فريدة بلفراق
...................
توثيق: وفاء بدارنة


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق