النَّبضُ "8" – حينَ يُطالِبُكَ الطّريقُ بثمنِه
النادي الملكي للأدب والسلام
النَّبضُ "8" – حينَ يُطالِبُكَ الطّريقُ بثمنِه
بقلم الشاعر المتألق : الأثوري محمد عبد المجيد
النَّبضُ "8" – حينَ يُطالِبُكَ الطّريقُ بثمنِه
لم يَعُدْ السُّؤالُ:
هل ما نَفعَلُ صَحيحٌ؟
بل:
هل نَحنُ مُستعِدّونَ لِدَفْعِ ثَمنِه؟
فالأفكارُ الكبيرةُ،
لا تَدخُلُ العالَمَ خَفيفةً،
تَدخُلُ مُحمَّلةً
بِفَواتيرَ مُؤجَّلةٍ.
بدأَ الثَّمنُ يَظهَرُ،
لا دُفعةً واحدةً،
بل على هَيئةِ
تفاصيلَ صغيرةٍ
تَتراكَمُ.
صَديقٌ
قديمٌ
لَم يَعُدْ يُسلِّمُ.
بابٌ كانَ يُفتَحُ
صارَ يُغلَقُ بلُطفٍ بارِدٍ.
دعوةٌ أُلغِيَتْ
دونَ سَببٍ.
قالتْ تَعِزُ:
«يَبدو أنَّ الطّريقَ
بدأَ يَطلُبُ حَقَّهُ.»
سُهيلُ لَم يَبتسِمْ هذهِ المرّةَ،
كانَ يَنظُرُ إلى يَدَيهِ،
يَرى فيهِما رَعشةً
لَم تَكُنْ موجودةً حينَ بَدآ.
في مساءٍ غَلَبَ فيهِ الصَّمتُ الكلامَ،
وَقفا في شُرفةٍ تُطِلُّ على مدينةٍ
تَنامُ في طُمأنينةِ الجَهلِ.
حاوَلَ سُهيلُ أن يُوقِدَ شَمعةً،
فانكَسَرَ الضَّوءُ في يَدِه.
مرّةً… مَرّتَين… ثَلاثًا.
تَركَ الوِلاعةَ،
ونَظَرَ إلى العَتمةِ وقالَ بِصَوتٍ مَشروخٍ:
«تَعِزُ…
نَحنُ سَرَقنا مِنهُم سَلامَ اليَقينِ القَديمِ،
ولَم نَمنَحهُم إلّا قَلقَ المَعرِفةِ.
فَهَل نَحنُ رَحمةٌ… أم فِتنةٌ؟»
لأوَّلِ مرّةٍ،
لَم يَظهَرْ سُهيلُ كعارفٍ بالوِجهةِ،
بل كعابِرٍ أضناهُ المَسيرُ.
اقتَرَبَتْ تَعِزُ،
لَم تَقتبِسْ لهُ نَصًّا،
ولَم تُذكِّرهُ بِمُعادلةٍ.
وضَعَتْ يَدَها على يَدِه البارِدةِ فوقَ السُّورِ.
كانتْ يَدُها «نَبضًا» حيًّا،
أصدَقَ مِن كُلِّ النَّظرياتِ.
قالتْ بهُدوءٍ يُرمِّمُ الرُّوحَ:
«يا سُهيلُ،
أنتَ لَستَ فِكرةً صَلبةً،
أنتَ إنسانٌ يَتعبُ.
والصِّدقُ الّذي كَتبناهُ بالمِدادِ،
لا يَكتَمِلُ إلّا بِدَمعِ الشَّكِّ.»
نَظَرَ إليها،
كانَ يَبحَثُ في عَينَيها عن «سُهيلَ القَديمِ»،
فَوَجَدَ فيهِما إنسانًا جديدًا
يَقبَلُ الضَّعفَ كجُزءٍ مِن النُّورِ.
قالَ بِصَوتٍ أخفَضَ:
«أخافُ أن نَنطَفِئَ قبلَ أن نَرى الأثَرَ.»
رَدَّتْ وهيَ تَسندُ رأسَها إلى كَتفِه:
«لقدْ انطَفأتِ الشَّمعةُ يا سُهيلُ،
لكنَّنا ما زِلنا نَرى بَعضَنا في الظَّلامِ.
وهذا… هو الأثَرُ الأوَّلُ.»
سَكَنَتِ الرَّعشةُ،
وعادَ النَّبضُ إلى وِقارِه.
فَهِمَ سُهيلُ أنَّ الطّريقَ
لا يَطلُبُ مِنهُ البُطولاتِ،
بل يَطلُبُ مِنهُ ألّا يَفقِدَ إنسانيّتَهُ
وهوَ يُطارِدُ الإلهيَّ.
وجاءتِ الرِّسالةُ
الّتي حَسَمَتْ كُلَّ شيءٍ.
لَيسَتْ مِن عالِمِ دينٍ،
ولا مِن فيلسوفٍ.
كانتْ مِن أُمٍّ:
«ابني يَسألُني الآنَ،
لِماذا نُؤمِنُ، لا ماذا نُؤمِنُ.»
وأنا لأوَّلِ مرّةٍ،
لا أَشعُرُ بالخَوفِ.
لَم يَبكِ سُهيلُ،
لكنَّ قلبَهُ ثَقُلَ.
قالَ بهُدوءٍ:
«هذا هوَ الثَّمنُ الحقيقيُّ.
أن تُغيِّرَ الأسئلةَ
في بَيتٍ واحِدٍ على الأقلِّ.»
مُنذُ تِلكَ اللَّيلةِ،
لَم يَعودا يَسألانِ عن النَّتائجِ،
كانا يَسألانِ فقط:
هل نَحنُ صادِقانِ؟
والصِّدقُ—
كما اكتَشفا—
أغلى ما يُدفَعُ
في هذا الطّريقِ.
خِتامُ النَّبضُ "8"
لَيسَ كُلُّ طَريقٍ يُطالِبُكَ بالتَّضحيةِ،
بَعضُها يُطالِبُ
أن تَتخلّى عن الطُّمأنينةِ
الزّائفةِ.
#الأثوري_محمد_عبدالمجيد..
2026/2/5
#ملحمةُ_النبضُ_الأول، #أدب_عربي #فكر_إلهام #غيروا_هذا_النظام.
توثيق : وفاء بدارنة


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق