*** فجر الذكريات. ***
النادي ااملكي للأدب والسلام
*** فجر الذكريات. ***
بقلم الشاعرة المتألقة : نور شاكر
*** فجر الذكريات. ***
قصة قصيرة
بقلم: نور شاكر
استيقظتُ مع فجر هذا اليوم، وكان صوت الأذان المتسلل إلى الغرفة يربت على القلب، يوقظه لا من النوم فقط، بل من ثقله في تلك اللحظة، نهضتُ من فوري، كأنني أنفض عن كتفي عجزي المتراكم، واستعددتُ للوضوء وإقامة الصلاة
كان البرد قارسًا، صنبور الماء المعطل يقطر ببطء، وكل قطرة تسقط كانت تُحدث ضجيجًا حزينًا، كأنها لا تصطدم بالأرض، بل بالذاكرة تعيدني إلى سنواتٍ خلت، إلى أشياء حسبناها خالدة، خرجتُ إلى بهو المنزل، فلفحني نسيمٌ بارد، وكانت قطرات المطر تسقط بتناوبٍ خفيف؛ لا زخاتٍ قوية، بل تحياتٍ رقيقة، كأن السماء تُنذر بلطف قبل أن تبكي دفعة واحدة
ابتسمتُ وأنا أنظر إلى حديقة المنزل اليابسة هناك، حيث كانت تقف شجرة التين العملاقة، بفروعها العريضة وأوراقها الوارفة كم احتمينا بظلها من الشمس، وكم وقفنا تحتها هربًا من المطر، كانت رائحتها تملأ المكان، وكأنها روحٌ خضراء تسكن البيت، أنظر إليها الآن… جذعٌ خاوٍ، فروعٌ يابسة هشة، بلا ورق ولا ثمر
شجرة تذكرنا بشيءٍ ما، أو ربما تحمل رسالة سماوية صامتة: لا شيء يبقى على حاله
كل شيء، بقدرة الله، يتحول من الوجود إلى العدم
الشجر… وحتى البشر، ليست شجرة التين وحدها، حتى جدتي
كانت يومًا ظلّنا الأوسع، تحيطنا بحنانها، تدفئنا من برد الشتاء، وتحمينا من قسوة الصيف، هي من كانت توقظنا لصلاة الفجر، وتعلمنا كيف نشم رائحة السحَر، وكيف نلمس الطمأنينة، ونشعر بقربٍ إلهي خفي، علمتنا التوكل، والصبر، والإيمان… والحب، والمزيد من الحب
ها هي الآن ذكرى، لكن أيُ ذكرى!
ذكرى جميلة، مكتملة، لا يشوبها النقص
تيقّنتُ وأنا أستعيد كل تلك السنين، وكل أولئك الذين كانوا معنا يومًا، ثم صاروا أجسادًا تحت التراب، أن الفقد ليس غيابًا كاملًا، بل تحولًا إلى حضورٍ في الذاكرة
قطعت خالتي سيل أفكاري، كأنها سمعت حديث النفس داخلي، وقالت بهدوء: «كل شيء في هذه الحياة زائل، ويصير منسيًا يومًا ما نحن الآن نُذكر… وربما سيأتي يوم لا نُذكَر فيه»
وقعت كلماتها في قلبي كحقيقةٍ لا تُوجِع فحسب، بل تُوقِظ
فهمتُ أن الظل الحقيقي لا تصنعه الأشجار، ولا الأعمار الطويلة، بل ما نزرعه في القلوب… فذاك وحده، لا يزول
توثيق : وفاء بدارنة


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق