الأحد، 1 فبراير 2026


♦️ النجوم العشر♦️(قصة 26)

النادي الملكي للأدب والسلام

♦️ النجوم العشر♦️(قصة 26)

بقلم الكاتب المتألق : محمد الشريف

♦️وادي النجوم العشر♦️(قصة 26)

في قلب صحراء زلاف، حيث تتراقص الرمال تحت لهيب الشمس كبحر من الذهب السائل، كان "محمد" يسير ضمن قافلة سياحية تقتفي أثر شاحنات الدفع الرباعي التي شقت عباب الكثبان. توقفت القافلة في منتصف وادٍ سحيق، يحيط به الصمت من كل جانب إلا من صرير الرمال.

وقف المرشد السياحي، وهو رجل لوحت الشمس وجهه حتى صار بلون الأرض، وأشار إلى بئرٍ قريبة قائلاً بصوت واثق: "هذا البئر حفرناه في رحلة مضت.. لا يغرنكم جفاف السطح، فالماء هنا أقرب إليكم من حبل الوريد؛ يكفي أن تنبش الرمل بيدك لتشعر ببرودة الحياة".

دفع الفضول محمداً، فجثا على ركبتيه وغرس يده في جوف الرمل. لم تكد يده تغوص قليلاً حتى لامست رطوبة مباغتة أنعشت روحه. في تلك اللحظة، أخرج من فمه نواة تمرة كان يلوكها، وتأملها ملياً. كانت فكرة مجنونة قد ولدت لتوها في ذهنه.

وضع النواة الأولى، ثم وقف وبدأ يدور حول نفسه، يمسح الأفق بنظرات ثاقبة، ويقيس الخطوات بدقة غريبة. أخذ يغرس النوى الواحدة تلو الأخرى في نقاط محددة. سخر منه أحد الرفاق قائلاً: "يا محمد، أتزرع النوى في مهب الريح؟ غداً تهب العواصف وتمحو أثرك، وتضيع نجمتك في بحر الرمال هذا".

ابتسم محمد بهدوء وهو يدفن النواة العاشرة، وقال: "الرمل يحفظ الأمانات التي تُكتب بالنية الصادقة، سأعرف مكاني ولو بعد حين".

مرت الأعوام، تغيرت ملامح المدن، وشاخت الوجوه، لكن نداء الصحراء ظل يسكن قلب محمد. عاد في رحلة جديدة، يقود سيارته فوق الكثبان العالية، وبينما كان يعتلي قمة كثيب شاهق، توقف فجأة.

خفق قلبه بشدة وهو ينظر إلى أسفل الوادي. هناك، في البقعة التي سخروا منه فيها يوماً، لم يجد رملاً قاحلاً، بل وجد معجزة خضراء.

صاح بأعلى صوته حتى بُحّت حنجرته: "يا رفاق! انظروا! انظروا هناك!"

هبطوا مسرعين، فكان المشهد يحبس الأنفاس. عشر نخلات شابة، قوية الجذوع، انتصبت في تناسق عجيب لتشكل نجمة خماسية مكتملة الأركان. كانت كل نخلة في زاوية، وأخرى في المنعطف، وكأنها حرس حدود لتلك النجمة التي رسمها يوماً بنوى التمر.

لقد تحولت تلك النواة التي كان يلوكها في فمه إلى واحة صغيرة، صارت معلماً للمسافرين، وملاذاً للطيور المهاجرة. وقف محمد وسط نخلاته، يلمس سعفها الأخضر، وأدرك حينها أن النجمة التي زرعها في الرمل، قد صعدت لتنير الأرض لمن ضل الطريق. 

✍️  #محمد_الشريف

توثيق : وفاء بدارنة 




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق