أحزان خلف الشاشة
النادي الملكي للأدب والسلام
أحزان خلف الشاشة
بقلم الشاعرة المتألقة: نورا طلحة
أحزان خلف الشاشة
في تلك الليلة الباردة المملة، قرر نبيل أن يمارس هوايته الجديدة: التجسّس على طلبات الصداقة الغريبة التي ترِدُ إليه على فيسبوك. فلا ضير في قليل من الفضول الإلكتروني. بين الطلبات التي تنبعث منها رائحة اليأس وتلك التي تحمل صورًا لرجال مفتولي العضلات، كان هناك طلب واحد مختلف؛ امرأة تبدو عاقلة، أو هكذا ظن نبيل.
قبِل الصداقة على الفور، وكأنه اكتشف كنزًا مدفونًا. لم تمضِ سوى دقائق حتى انهالت عليه الرسائل وكأنها سيل جارف. "مرحبًا، أنتَ الشخص الذي كنت أبحث عنه!"، شعر نبيل بالارتباك الممزوج بالفخر، فليس كل يوم يصادف شخصًا يدّعي البحث عنه. بدأت المرأة تحكي عن حياتها، عملها الهام جدًا الذي لم يسمع به قط، وعن حالتها النفسية المدمرة، وعن زواجها الفاشل، فقد كان زوجها، الذي عمل في مجالٍ يفرض عليه التزامًا صارمًا، يبتعد عنها تدريجيًا، وكانت تشعر بالمرارة لأن العلاقة بينهما أصبحت مجرد واجب اجتماعي. أصبحت حياتهما مليئة بالصراعات اليومية. ولأن نبيل شخص لطيف قرر أن يتظاهر بالاهتمام. سرعان ما اتضح أن أسباب عدم تفاهم السيدة وزوجها تتجاوز الخلافات البسيطة. وقد قادها ذلك إلى البحث عن منفذ على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث راحت تغرق في حياة افتراضية جديدة تمنحها بعض التقدير والاهتمام المفقود في حياتها الواقعية. لكن سرعان ما انقلبت الأمور رأسًا على عقب. أسئلة غريبة بدأت تخرج منها: "ما وزنك؟ هل لديك عضلات؟ ما..."، ثم انطلقت في إرسال صور مشينة وفيديوهات... أوقفها نبيل رغمًا عنها قائلاً: "حسنًا، لنتفق أن ما رأيته في تلك الصور سيبقى في أرشيف الكوابيس". شعر بأن هاتفه تحول إلى ساحة جريمة، وأسرع في إغلاقه كما يغلق المرء بابًا على شبح هائج. قبل أن يفقد عقله، أرسل نبيل رسالة قصيرة، مليئة بالحكمة والأخلاق - أو على الأقل هذا ما أقنع نفسه به - ثم حذفها من قائمة الأصدقاء وكأنه يقوم بعملية تطهير روحي. جلس بعدها يستعيد أنفاسه، يفكر في مصير أسرتها المسكينة، ويدعو الله أن يرشدها أحدهم لتطبيق كمبيوتر مقاوم للفيروسات... العقلية.
بقلمي نورة طلحة
المغرب
توثيق: وفاء بدارنة


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق