الجمعة، 28 يوليو 2023


***  مَوتٌ مُحتَرف.  ***

النادي الملكي للأدب والسلام 

*** مَوتٌ مُحتَرف. ***

بقلم الشاعر المتألق: حسام الدين طلعت 

***  مَوتٌ مُحتَرف.  ***

خَاطِرةٌ أدَبِيَّةٌ 

بِـقَــلـم الأستاذ: حُــســام الـــدِّيــن طــلــعــت 

جُمهُورِيَّةُ مِصر العَرَبيَّة 

........................................ 

يَحتَرِفُ المَوتُ سَلبَ أجسَادِنَا أرواحَهَا، كُلٌّ فِي لَحظَتِه المُقَدَّرَةِ، ولكَي لَا نَمَلُّ مِن مِيتَةٍ وَاحِدَةٍ؛ يُكتَبُ علىٰ بَنِي آدم أشكَالٌ وألوَانٌ شَتَّى مِن المَوتِ.

هُنَاكَ مَن يَأخُذُه المَوتُ بَغتَةً، وَهو يَعبُرُ طَرِيقًا أو يَسِيرُ آمنًا؛ فتلتَقِمُه بَالُوعة، أو يَقُودُ سَيَّارتَهُ مُطمَئنًا، أو يَنَامُ فَلَا تُشرِقُ شَمسُهُ، أو يُصَلِّي فَلَا يَقُومُ مِن سُجُودِه (وَمَا أجمَلَهَا مِن مِيتَةٍ)، أو... أو.... أو...، كُلُّهَا أصنَافٌ مِن المَوتِ، تَختَارُكَ حتىٰ قَبلَ مِيلَادِك، لَذَا، أوَدُّ أنْ أسألَ: هَل يَجُوزُ أنْ أكرَهَكَ؟! أنْ أمقُتَكَ؟! 

لَقَد تَجَرَّعتُ مِنكَ آلَامَ رُوحِي، وأسقَامَ جَسَدِي، واكتِواءَ ذَاتِي المُنهَكَةِ.

لِمَاذَا أسرَفتَ فِي إيلَامِي؟! لَم أكُن إلَّا طِفلًا، لَم يَتَجَاوز التَّاسِعَةَ مِن عُمرِهِ.

وَلَم تَستَطِعْ أنْ تَقتَلِعَ رُوحَ أبِي -أمَانِي وحُضنِيَّ الدَّافِئ- إلَّا أمَامِي. 

أعرِفُ أنَّك آتٍ، لأنَّ رَسُولَك (السَّرطَان) سَبَقَكَ واغتَالَ صَدرَ أبِي الحَنُون.

اغتَالَ أحلَامَ وقَلبَ طِفلٍ، كُلُّ أمَانِيهِ أنْ يَظَلَ سَاكِنًا قَلبَ أبِيه.

لَقَد أريتَنِي ذَاتَك فِي جُحُوظِ عَينيَّ حَبِيبِي، جَعلتَهُ نَاظِرًا إليَّ، مَادًّا يَدَه، مُحشرِجًا صَوتَهُ، كَأنَّمَا يُنَادِينِي لأُنقِذَهُ مِن ذَاكَ المَخلُوقِ الجَاثِمِ عِندَ رَأسِهِ مُنتَظِرًا رُوحَه الطَّاهِرةَ.

وَبَعدَ الجُحُوظِ والنَّظرَةِ والحَشرَجَةِ، فَاضَتُ الرُّوحُ إلىٰ بَارِئهَا، وفَاضَتِ العَبَرَاتُ والأنَّاتُ والآهَاتُ مِن عَينِ قَلبِي وَرُوحِي وَدَمِي.

لَقَد أنزَفتَنِي مُرًا وَمَرَارةَ أيَامٍ، وأنحَلتَ عُودِي فِي كُلِّ عَودَةٍ مِنكَ، أرهَقتَ كِيَانِي فِي كُلِّ زِيَارَةٍ لأحبَابٍ وأغرَاب.

أخَافُ أنْ تَلقَىٰ أحبَابِي قَبلَ أنْ تَلقَانِي، أشفَقتُ علىٰ رُوحِي المَزِيدَ مِن الألَمِ، أرتَعِبُ كَونَكَ جَائلًا تَحصُدُ رِقَابًا أينَعت، وَحَانَ وَقتُهَا. 

كُنْ مُتَرَفِقًا بهم، لَا تَأخُذْ قُلُوبَهُم قَبلَ قَلبِي. 

يَا هَادِمَ اللَّذَاتِ، ارحَلْ للأبَد.

بقلم : حسام الدين طلعت 

توثيق: وفاء بدارنة 



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق