لغتنا والفضاء الأزرق
النادي الملكي للأدب والسلام
لغتنا والفضاء الأزرق
بقلم الشاعر المتألق: جاسم الطائي
لغتنا والفضاء الأزرق
( لغتنا والفضاء الأزرق والوصول إلى المثال )
حينَ توهمت العربُ أنها بلغت الكمالَ حرفاً، فصاحةً وبلاغةً صدمَتها معجزةُ القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خلفِه ، ومنذ ذلك الحين والعرب تسعى للوصول إلى المثالِ دون جدوى ،فالكمال لله وحده ولكلامه لا لكلامِ البشر ، فهل يمكن ان ندَّعيَ الكمالَ لحروفِنا؟ وهل لنا أن نُنصِّب أنفُسنا قضاةً على كل حرف ؟ وهل لنا أن نمنعَ من يريدُ أن يحاكيَ أو ينطلقَ على الطريقِ للوصولِ إلى المثال ؟ لا أظننا نمتلكُ مثلَ هذا الحق وأقصى ما استطعنا فعله أننا ربما وضعنا مقاييسَ موضوعيةً تحدِّدُ وجهاً من أوجه الإبداع في الحرف العربي، وتجسّدَ ذلكَ في علومِ اللغة المستقاة أصلا من ذات الحرف العربي الذي نسعى للوصول إليه في أعلى مراتبه الإبداعية ٠
كل هذا وغيره من حراكٍ ثقافي يتجلى بوضوح في تلك المنتديات الأدبية التي انتشرت بشكلٍ واضحٍ في عالمِ الفضاءِ الأزرق قائدة ورائدة وإن كانت خطاها غير ممنهجةٍ ولا مدروسةٍ في أغلب أوجهها ومساراتها ، لكنَّها تشكِّلُ في كلِّ أحوالِها القشَّةَ التي يتعلَّق بها الغريقُ في أقلِّ تقدير ٠
وتبقى بعد ذلك تلك العشوائيات التي تمحورَتْ حولَ ذاتِها فهي أمامها خيار من اثنين لا ثالث لهما ، فإما أن تتقوقع على نفسها حتى تنكمش وتتلاشى ، وإما أن تنفتحَ على غيرها من التجمعات الثقافية والفكرية التي قطعَت أشواطاً في طريقِ الوصولِ إلى مثاليةِ الحرفِ العربي ٠
إن علومَ اللغةِ هي المجالُ الوحيدُ الذي لا يمكنُ أنْ ندَّعي تخصصَ أحدٍ به ذلك أنَّها لغةُ القرآنِ الكريمِ الذي يجمعُنا فضلاً عن أنَّها لغةُ المتكلمين بها جميعاً فمنهم من ارتقى في انتقاءِ مفرداتها إلى درجةِ التفرد وعزَّز ذلك بدراسة جامعية ومنهم ما زال يحبو على الطريق خارجَ أطُرِ الدراساتِ الجامعية ، ليستجمعَ مِن موروثِ مفرداتِها في خزانةِ الذاكرةِ فينتخب ما يناسبه من مفرداتها وصولاً الى محطاتٍ جديدةٍ على الطريق الذي يسير عليه كل المتكلمين بالحرف العربي ، ومنهم -وهم كثرٌ- من تخطى حدودَ الدراسة الجامعية اللغويةِ بعيداً عنها فكم من شاعرٍ في العصر الحديث تعملَق في إبداعاته الحرفيةِ التي ارتقت إلى مستوى الإحتراف وهو بعيدٌ كلَّ البعد عن التخصصِ في مجال علوم اللغة العربية فشاعرُ الأطلال ابراهيم ناجي كان طبيباً وعلي محمود طه رائد جماعة أبولو كان مهندساً ، أما السياب فكانت دراسته الجامعية في اللغة الانكليزية لا العربية ، ويكفي أن تقوم بالبحث في محرك ( كوكل ) عن قائمة الشعراء الأطباء في مختلف العصور لتجدها طويلة طويلة لا مجال لِذكرِ محتواها ، مما يؤكِّدُ أنّ ملكةَ الإبداعِ والرغبةَ الجامحةَ فيه تسبقُ أصولَ اللغةِ التي ينبغي أن يتملَّكها كلُّ مبدعٍ بل أنَّ علومَ اللغةِ ومعارفَها تُعدّ عاملاً مكمِّلاً لإمكانيةِ المبدعِ للوصولِ إلى مثاليةِ الحرفِ العربي ٠
-------------
بقلم : جاسم الطائي
توثيق: وفاء بدارنة


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق