قراءَةٌ مُتَواضِعَةٌ في نَصٍّ أَدَبيٍّ..
النادي الملكي للأدب والسلام
قراءَةٌ مُتَواضِعَةٌ في نَصٍّ أَدَبيٍّ..
بقلم الشاعر المتألق: صاحب ساجت
قراءَةٌ مُتَواضِعَةٌ في نَصٍّ أَدَبيٍّ..
(اِغترابُ الإنسانِ.. وَطنٌ في غُربَتِهِ!)
تَوْطِئةٌ:-
أبو حيان التَّوحيدي (310- 414هـ/ 922- 1023م) فيلسوفٌ متصوفٌ، مسلمٌ وَ أديبٌ بارعٌ، من أعلامِ القرن الرّابع الهجري. عاشَ أكثر أيّامهُ في بغدادَ وَ إليها يُنْسَبُ. أَقْدَمَ علـىٰ حرقِ كُتبهِ، بعد أن أصابَهُ العَوَزُ وَ عانىٰ من شَظَفِ العيشِ، وَ قلَّةِ الحيلةِ بينَ أهلهِ وَ ناسِهِ، يُنْقَلُ عَنْهُ:-
(الغريبُ الحقُّ هو ليس الذي نأىٰ عن وطنٍ بُنِيَ منْ ماءٍ وَ طينٍ، وَ فقدَ أهلَهُ
وَ أحباءَهُ، إنَّما الغريبُ هو ذٰلك الإنسانُ الّذي يعيشُ في وَطنهِ غَريبًا!)
أَصلُ المَوضوعِ:-
المَخلوقُ أو المُصطنعُ لا يَعدُو
إلّا أن يكونَ:- أمَّا ماديًا ملمُوسًا، أو معنويًّا محسُوسًا!
وَ اجتيازُ الحدودِ بين المقاطعاتِ أو الأوطانِ منَ الماديَّاتِ الملموسَةِ، تحتاجُ إلـىٰ إباحةِ مرورٍ، مَهما كانتْ تلكَ الحدودُ مصطنعةً وَ غيرَ منطقيَّةٍ. يتحصَّلُ ذلكَ بعدَ إجراءاتٍ وَ موافقاتٍ تطبيقًا لقوانينَ وَ أُذُوناتٍ مُعَدَّةٍ سلفًا، كأمرٍ واجبِ التَّنفيذِ، مُتفقٍ عليهِ، مُوقَّعٍ في أوراقٍ يحملُها مَنْ يَرومُ الانتقالَ مِنْ.. وَ إلـىٰ، تُدعَىٰ تِلكُمُ الأوراقُ بـِـ :-
(جوازِ سَفَرٍ Pass Port).
وَ خلافُ ذلك.. يُعَدُّ اجتيازُ الحدودِ جِنايَةً وَضَعتْ لها القوانينُ عقوبَةً!
بينَ أيدينا نصًّ جميلٌ، بعنوان:- "عيناكِ جوازُ السَّفرِ"
للاستاذِ:-أنور مغنية/لبنان
يُخاطبُ (حبيبتَهُ) بنداءٍ، اِتَّخذَ فيهِ
أصواتَ المحبينَ قاطبةً.. عَضُدًا!
(أنتِ حبيبتي
باسم كل المحبين أنادي
بصوتي وأصوات كل البشر) *النص
واضعًا نُصْبَ عَينَيهِ.. عَينَيها!
هَدفًا لا يحيدُ عنهُ، رُغمَ المَنعِ القاهرِ لمشاعرهِ وَ احاسيسهِ، وَ المعوقاتِ المصطنعةِ ماديًّا، طالَما يمتلكُ احساسًا باستحالةِ الإذعانِ لِما قُدِّرَ لهُ بفعلِ فاعلٍ!
البدايةُ...
بدأَ النصُّ بــ (أهاجرُ في هذهِ الدُّنيا).. فَما هي الهجرةُ؟
(هَجَرَ.. فعلٌ ثلاثي):- تركَ، رحلَ عن، غادرَ طوعًا..وَ الاسمُ.. مُهاجِرٌ.
(هَجَّرَ.. فعلٌ رباعي):- أُخرجَ من بلدِهِ عُنوةً وَ ظلمًا! وَ الاسمُ.. مُهَجَّرٌ.
وَ الهجرةُ منذُ فجرِ التأريخِ الإنساني..
اِنتقالُ أفرادٍ من موطنِهم الأصلي إلـىٰ مكانٍ آخرَ، للإستقرارِ بشكلٍ دائمي أو مؤقتٍ، طلبًا للعيشِ وَ السكنِ وَ الأمنِ.
وَ لأسبابٍ مختلفةٍ.. يَهمُّنا مِنها..
(الارتباطُ وَ العلاقاتُ الوجدانيةُ).
فَمعَ تطورِ شبكاتِ التَّواصل أصبحَ منَ السَّهلِ بناءَ علاقاتٍ عابرةٍ للحدودِ، للعيشِ مع الأحبابِ وَ الارتباطِ بهم.
وَ للهجرةِ جملةُ ايجابياتٍ وَ سلبياتٍ
علـىٰ البلدِ الأُمِّ، وَ البلدِ الجديدِ.
مُسْتَلْزماتُ الهجرةِ في النَّصِّ:-
عَوْدٌ عَلـىٰ بَدْءٍ...
اجتيازُ الحدودِ يستوجبُ إباحةَ مرورٍ- كما أسلفنَا. وَ هنا النَّاصُّ حَدَّدَ جوازَ سَفرٍ في مَخِيلَتِهِ، وَ قطعًا ليستْ وَهمًا.. بلْ واقعًا محسوسًا، وَ قدرةً تكادُ تكونُ فطريةً في عقلهِ!
مَنحتهُ صَناعَةَ أفكارٍ أو صورٍ عنِ (الحبيبةِ)، استمدَّها من ادراكِهِ الحِسِّي، وَ لَمْ يَعبَأْ باشتراكِ الآخرينَ معهُ.. منْ عَدمهِ!
أمَّا علمُ النفسِ فَيَصفُ عمليةَ إعادةِ ادراكاتٍ عقليةٍ لعناصرَ أو أشخاصٍ تَمَّ اِلْتقاطَها سابقًا عن طريقِ الحواسِّ، مِمّا سمحَ للوعي محاكاةَ العقلِ.
(أهاجرُ في هذه الدنيا
وَ عيناكِ هما جوازُ السَّفر
أستوطنُ غاباتِ الألحانِ
وَ أطربُ لعزفِ الرُّموشِ
وَ وَقعِ المَطرِ ) * النص.
فَعلـىٰ الرُّغمِ منَ الغُربةِ التي عاشَها (مُهاجرُ النّصِّ) إلّا أنَّها منحتهُ التَّوطّنَ في بحبوحةٍ من الرَّاحةِ النفسيَّةِ، لِما تَوافرَ لهُ منْ ألحانٍ تدعوهُ للرَّقصِ طربًا، تعزفها رموشٌ وَ قطراتُ مطرٍ، تَرْمِزُ إلـىٰ:-
* - السهرِ وَ الرّعايةِ وَ الأمنِ وَ الأمانِ/ مفردَةُالرِّمشِ. بينما رمزيةُ المَطرِ:-
*- الماءِ..وَ ما ادراكَ ما الماءُ!
{وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ }(الانبياء- ٣٩)
الاِغتِرَابُ.. Alienation :-
فقدانُ هويةٍ وَ انتماءٍ، ثُمَّ.. علاقةٌ متأزمةٌ معَ المجتمعِ، شعورٌ بالضياعِ
وَ الاستلابِ، بَلْ حالةٌ "سيكواجتماعيّة" تسيطرُ على الفردِ، فتحوُّلُهُ إلـىٰ شخصٍ غريبٍ وَ بعيدٍ عنِ الواقعِ. يعيشُ صراعًا دائمًا معَ قوًىٰ اجتماعيةٍ أو سياسيةٍ بُغيةَ تثبيت موقفٍ من كلِّ ما يحدثُ حولهُ، وَ سرعانَ ما يشعرُ بالاغترابِ عندما لا يَتحققُ ذلك الموقفُ، فيتحولَ إلـىٰ فردٍ مسلوبِ الذّاتِ وَ الاستقلاليةِ.. مُسْتَهْلَكًا!
وَ المُحِبُّ يَفقدُ قدرتَهُ علـىٰ اللّقاءِ بِمَنْ يُحِبُّ، وَ الحياةُ معهُ.. بقرارٍ مُسبَّقًا حَدَّدَ لهُ علاقاتِهِ وَ تحركاتهِ، تُمْلِي عليهِ سِلطةٌ ما، نَوعَ نشاطاتِهِ.
(أهاجرُ في عينيكِ
حيثُ تقومُ الأساطيرُ
فوقَ ليلِ الكُحلِ على جفنيكِ
وَ أرسمُ حولهما نجمتين وقمر)النص
الاغترابُ وَ العَواطفُ:-
النصُّ مُفْعَمٌ بعواطفٍ أضناها مفارقةُ الأحبابِ، وَ البعدُ عنِ الدّيارِ، نَفيًا أو تشرّدًا، طوعًا أو كُرهًا!
أَقْحَمَ الكاتبُ المُتلقِّيَ بالعَجبِ العُجابِ، وَ لوَّنَ نصَّهُ بالحنينِ إلـىٰ عَينَي حبيبتِهِ، بلُغةٍ شعريةٍ في مجملِ بُنْيَةِ خطابهِ الشِّعري..
وَ بأفقٍ جماليٍّ وَ اسلوبٍ تَعبيري تَجلَّـىٰ في رسمِ أحوالِ الذَّاتِ وَ مِحنَتِها، كنتاجٍ للألمِ وَ الفراقِ.
تَنقَّلَ كالنَّحلةِ منْ زَهرةٍ إلـىٰ أُخرىٰ للبحثِ عنْ رحيقٍ ليصنعَ منهُ شهدًا فيه غذاءٌ وَ شفاءٌ!
(ليسَ هناك من أمانٍ لغريبٍ
سريرُهُ الأرضُ وَ غطاؤهُ السَّماءُ
ليسَ هناك من أمانٍ) *النص
"لِمَنْ هٰذا الغِناءُ؟"
سؤالٌ يبدو بريئًا، لكنّهُ يحملُ بين طيَّاتِهِ أسًىٰ وَ حزنًا شَديدينِ!
فالعصافيرُ دَيدَنُها "الغناءُ" وَ الحركةُ الدائمةُ، وَ تبادلُ الأدوارِ. وَ رُبَّما لا نفهمُ من ذلك إلَّا ما يُحاكي أحاسيسَنا حينما تَمتَلِـئُ نفوسُنا بالغِبْطَةِ وَ البَهجةِ.
وَ قديمًا قالَ أبو الطَّيب المتنبي:-
(لا تحسبنّ رقصي بينكم طربًا..
فالطيرُ يرقصُ مذبوحًا من شدَّةِ الألمِ.)
فما يُدريكَ.. لَعَلَّ هٰذه المخلوقاتِ
لا تُغَنِّي بحَسبِ مفهومِنا للغناءِ..
وَ قدْ يكونُ "غناؤها" وسيلةَ تفاهمٍ
وَ تبادلَ أفكارٍ وَ مَشاعرَ فيما بينها.
{وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ}(الانعام -٣٨)
فالطيرُ أمَّةٌ، وَ الإنسُ أمَّةٌ، وَ الجِنُّ أمَّةٌ، لكنها ليست بالضرورةِ تُماثلُ الإنسانَ في التفكيرِ وَ الحضارةِ المكتسبةِ من الفكرِ الذي اختصَّ بهِ الإنسانُ، وَ اللُّغةُ عنصرٌ مهمٌّ في تفكيرِ وَ حضارةِ الإنسانِ، وَ الأُممُ الأخرىٰ لها وسيلةُ تفاهمٍ خاصّةٍ بها، هذا "الغِناءُ" هو.. لُغتُها!
فَهلْ يَحقُّ لنا أنْ نقولَ..
"لِمَنْ هٰذا الغِناءُ؟"
لا أرَىٰ في ذلك مسوَّغًا يُبيحُ لنا أنْ نتساءَلَ معَ الكاتبِ، رُغمَ أنَّهُ يعيشُ الاغترابَ بِحذافيرِهِ.. إنْ جازَ لنا التَّعبيرُ! وَ شَفيعِي في ذٰلكَ..
(وَ إذا لم يكنْ غناءُ العصافيرِ لعينيكِ
فَلِمَنْ كلَّ هٰذا الغِناءُ ؟) * النص
لِنَعذرَ الكاتبَ اذنْ.. لِمَذهَبٍ ذَهبَ إليهِ حاملًا تجربةً وجدانيةً، لا يُمكنُنا أنْ نَحسَّها كما تلمَّسَها هوَ.. عَقلًا وَ قَلبًا، واقعًا وَ خيالًا!
لُغةُ النّصِّ:-
حملتْ لغةُ النَّصِّ الحسَّ وَ الشعورَ الوجداني، بأبهىٰ صورِهِ، وَ بتَوجِّهٍ نقدي لواقعٍ نعيشهُ مُجبرين، مُشبَّعٍ بعالمِ الصّورِ وَ الأَخيلةِ، وَ كلماتٍ ذاتَ معانٍ شفّافةٍ، تُوحي بجمالٍ فنيٍّ راقٍ، يُبْرِزُ دقَّةَ الوصفِ و التعبيرِ، باسلوبٍ سَلسٍ
وَ سَهلٍ مُستساغٍ، دونَ تعقيدٍ، أو تَلغيزٍ!
نَجحَ كاتبُ النصِّ في كَشفِ أفكارهِ دونَ غموضٍ، أو ضبابيةٍ، وَ كتبَ بلُغةٍ تُناسبُ مَوضُوعَتَهُ أوّلًا، معَ حرصِهِ علـىٰ ما يَستَسيغُهُ ذوقُ المُتلقِّي.. ثانيًا.
أَخـــــــيرًا...
هٰكذا تَراءىٰ لي النّصُّ، وَ قرأتُهُ بهٰذا الشكلِ وَ المضمونِ، أَرجو مَنْ يَجدُ ثَمَّةَ فائدةً أو معلومةً، يُطوِّرُ بها قراءَتي المتواضعةَ، بشكلٍ خاصٍّ، وَ يُقَوُّمُ الٕابداعَ في المجالِ الأدبي.. بشكلٍ عامٍّ!
بُغيةَ تنميةُ ذوقِ المتلقِّي وَ تحفيزُهُ لأنْ يتابعَ بشغفٍ وَ درايَةٍ ما يَنتجُهُ الأدباءُ وَ يَنْشُروهُ..
كُلَّ التّقديرِ للإستاذ (أنور مغنيه)،
وَ نَغبطُهُ علـىٰ إبداعاتهِ وَ حرصِهِ علـىٰ تقديمِ أفكارِهِ بإطارٍ وَ إسلوبٍ بديعٍ حَقًّا، يَدعُونا أنْ نَثني عليها جَزيلَ الثَّناءِ...
(صاحب ساجت/العراق)
النصُّ موضوعُ التعليق و القراءة:-
(عيناك جواز السفر )
أهاجر في هذه الدنيا
وعيناك هما جواز السفر
أستوطن غابات الألحان
وأطرب لعزف الرموش
ووقع المطر .
أنت حبيبتي.
باسم كل المحبين أنادي
بصوتي وأصوات كل البشر .
اهاجر في عينيك
حيث تقوم الأساطير
فوق ليل الكحل على جفنيك
وأرسم حولهما نجمتين وقمر .
ليس هناك من أمانٍ لغريبٍ
سريره الأرض وغطاءه السماء
ليس هناك من أمانٍ إذا
هطل الثلج فوق خط الاستواء
ليس هناك من حياةٍ إذا
أشرقت الشمس وقتَ تشاء .
وإذا لم يكن غناء العصافير لعينيك
فلمن كلّ هذا الغناء ؟
بغير عينيك يبدو الكون صعباً
فقد يسود الليل
وتختفي النجوم من هذا الفضاء.
بقلم : أنور مغنية
لبنان
05 11 2022)
توثيق: وفاء بدارنة

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق