الأحد، 5 ديسمبر 2021


***  فرح   ***

رابطة حلم القلم العربي 

***   فرح   ***

بقلم الشاعرة المتألقة : عبيدة وهوب 

#قصص_عبيدة

***   فرح    ***

كنت احضر آلة التصوير خاصتي و أجلس بالشارع الذي يزوره السياح كل يوم من الصباح للمساء 

أنتظر من يريد اخذ صورة عند الآثار الموجودة بذلك المكان

كانت تأتي طفلة جميلة جداً بعمر السادسة تضع قبعة حمراء على رأسها و تطلب مني أخذ صورة لها 


و في كل مرة كنت أقوم بتصويرها بسعادة لأني كنت أرى بعيناها بريق لا يوصف و لكنه ممزوج بحزن شديد موصول بخيوط أمل كانت تضحك كثيراً و حتى بعد الإنتهاء من التصوير كانت ابتسامتها لا تفارق شفاهها تغادر المكان من دون كلام كأنها فراشة تتمايل و تطير


و مرت الشهور و هي على هذا الحال انتظر مجيئها عند الصباح و لكن مع مرور الأيام بدأت ألمح تغير بملامحها و بذبول بجفنيها و خيوط الأمل تكاد تنقطع من نظراتها و السواد يسكن تحت عينها التي انطفىء بريقها 


أثارني الفضول و ذات صباح سالتها : ألن تأخذي صورك ياعزيزتي فقالت : لا اتركها معك لا احتاجها فانا راحلة إلى مكان بعيد 

قلت لها : إلى أين 

ردت : مسافرة حيث تقيم أمي 

قلت : و أين امك 

قالت : في السماء 

أخذت نفساً عميقاً و دمعت عيناي سألتها و لماذا ؟ 

قالت : سمعت الطبيب يقول لأبي أنها بأيامها الأخيرة ولن ينفع معها العلاج و نحن حاولنا و لكن للاسف هذا حالها و سمعت صوت كفوف أبي و هو يضرب وجهه و هو يبكي و يقول أيعقل أن تموت أنها طفلة 

ثم تابعت حديثها اريدك اليوم اخذ صورة لي من دون القبعة 

نزعتها من على رأسها كما نُزعت الشهقات من صدري روحي تهشمت و نبضي أوجعني و ذُبل بين أضلعي 

لا يوجد شعر على رأسها لقد تساقط من أثر العلاج الكيماوي

جلست على الكرسي لاخذ الصورة لم استطع السيطرة على آلة التصوير كانت يداي ترتجف و بدت لا أرى بوضوح من شدة بكائي 

و هي تردد سيدي هيا انا جاهزة و صوت ضحكتها تملأ المكان كالعادة و تقول لي اليوم ساخبرك بعنوان بيتي فعندما اموت اتمنى منك أخذ الصور لأبي ليراني و يحتضن صوري كما يحتضن صور امي


اخذت لها عشرات الصور و مع كل صورة كانت تغير وضعية جلوسها وهي سعيدة جدا و تضحك على غير العادة و بعد قليل قالت لي : لقد تعبت من الجلوس و من الضحك سوف أذهب و اخبرتني بعنوان بيتها 

ومضت الايام و كنت كل يوم انتظرها و صورتها و كلامها لا يفارقا مخيلتي 

كنت افكر بها كثيراً و كيف شاخت براءتها و نضج الهم بداخلها و كيف خريف البؤس و المرض قتل ربيع طفولتها 


و ذات صباح لم استطع الإنتظار ذهبت إلى العنوان الذي أخبرتني به طرقت الباب فإذا برجل نحيل وطويل اللحية و الحزن يعشعش بعينيه و بملامحه

قلت له : صباح الخير سيدي 

رد علي : صباح النور 

قلت : جئت أسال عن فتاة صغيرة تسكن هنا

قال : تسال عن فرح

قلت : أكان أسمها فرح 

قال : نعم ولكن الفرح لم يزورها بيوم و أنهار بالبكاء لقد ماتت صغيرتي الوحيدة تاركة رسالة لي تخبرني ان أقوم بسداد دين صديق لها و لم تخبرني من هو اظنك انت 

تحجرت بمكاني و كأن الشلل أصابني تلعثمت بكلماتي و لن أستطع ان اتمالك نفسي أجهشت بالبكاء 

فتركت الصور على الطاولة و غادرت من دون كلام 

و دموعي لم تتوقف لحين وصولي إلى ذلك الشارع الذي أحتضن ملامحها و صدى ضحكاتها 

اكفهرت الحياة بعيني و الحزن رافق خطواتي فتاهت دروبي و أطفئت أنواري و فقدت قوتي 

جلست على الرصيف أتحسس خافقي الذي لا نبض يسكنه كان هناك ضباب من سكن داخلي 

شيئاً ما افقدني الوعي للحظات فوقعت آلة التصوير من يدي و انكسرت مثلما انكسر زجاج قلبي و تناثر على عيناي فأغشاها حزناً على موتها 

و منذ تلك اللحظة البائسة و إلى اليوم أصبح الشارع بكل تفاصيله ذكرى قاسية بالنسبة لي

توثيق : وفاء بدارنة 



 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق