*** قراءة لقصيدة غربة الأوتاد ***
رابطة حلم القلم العربي
*** قراءة لقصيدة غربة الأوتاد ***
بقلم الشاعر المتألق: محمد هالي
ملحوظة: سأضع كل يوم طيلة شهر رمضان تحليلا نقديا لجنس ادبي معين في الصفحة
*** قراءة لقصيدة غربة الاوتاد ***
هي قصيدة للشاعر و الفنان السوري عادل المتني (المقطع الثالث)
بقلم ،: محمد هالي
إن التنبه و الوعي بظلم الغربة، و التوجه إليها يعني أنك تقهر ذاتك، تتصارع في عالم متصارع من أجل البقاء، انك في عالم "حالة الطبيعة الهوبزية " الإنسان ذئب لأخيه الإنسان "، لم تتحرك من أجل الرفاه، بل تتحرك من أجل الغريزة، إن حالة الطبيعة هذه هي التي تفرض عليك الغربة، تفرض عليك أن تتوجه مكرها إليها، لأنك تعرف مسبقا أنها الذل وتتجه إليه، لم تعد لك هوية، فأنت تقاس ببشرتك، ولونك ، و حتى حاجاتك لم تعترف بك(اشباه المرايا) ،جواز السفر)، انك في التيه، تتنكر لما أنت فيه، تواجه الآخر بجواز سفرك الذي أصبح هو هويتك الحقيقية الجديدة ، بهذه الهوية فأنت مرغم بأن تجتاز الحواجز، و يصف المتني هذا بطريقة مفارقة:(تحسس الخصيتين/ المطارات الفارهة)
"بعد أن يتحسسوا خصيتيك الفارغة
في المطارات الفارهة
يأذنون لك بالمرور"
إن الهوية الجديدة (جواز السفر) لا تفارقك، تتماثل معك، لكنها لا تعفيك من التفتيش و التنقيب في بؤر التوتر المختلفة، ليقذف بك بعد السماح بالمرور:
"في غرفة من الصفيح
تشبه خم الدجاج في بيتنا القروي
أستقر طويلا"
ضمن هذا المقت التاريخي المستعصي عن الحل، وسط هذا الجو المفعم بالقحط في أمكنة الإهمال يعيش غريب الأوتاد في غرفة من الصفيح، لا تختلف عن إنسان الغاب، كما وصفها المتني تشبه (خم الدجاج )، و أن هذا الغريب يقتنع بظروفه الجديدة هذه، بأنه سيمكث طويلا، ليحدد في آخر المطاف طبيعة المكان الجديد الذي يقتحمه غريب الأوتاد،
"أعود لذاكرتي الرطبة
هذا الكهف المطلي بالكلس الأبيض
أنصب خيمة فيه
وداخل الخيمة خيمة
وخيمة
وخيمة
أغدو مخيم لاجئين"
ليس هناك من إجحاف في حق الغريب ، إنه يقصى في مكان مقذوف فيه، في سلة المهملات، يغادر مكان الألفة القديم ليعانق مكان الذل الجديد، لكن غريزة البقاء تلك تفرض عليك ذلك، تنقلك من عالم التعاقد، عالم الثقافة، إلى عالم الانحطاط، و الضعف، و الهوان، باختصار عالم النسيان، المتني يصف هذا التشييد الخيمي البئيس وصفا دقيقا :
"أنصب خيمة فيه
وداخل الخيمة خيمة
وخيمة
وخيمة
أغدو مخيم لاجئين".
يقتلك السؤال في "مخيم اللاجئين" يدفعك في متاهة الجواب ، يسبح بك في فوضى المخيمات المشتتة تنتظر في غربتها عون الغرباء، هناك من يتعاطف ، و هناك من يتفرج في هذا الذل الذي قصده الغريب بوعي و روية ، قرار الغربة لا مناص من أن يسبقه عنف الألفة، و صوت البارود المتدافع في الهواء، يصيب، يقسم البشر إلى أشلاء، وخوفا من الإعاقة، و خوفا من الموت و الحصار، يضطر الغريب أن يتجه إلى مصب الذل ، ذل البقاء أفضل من ذل الموت، عقدة البقاء للأقوى تفرض عليك أن تنفلت من حرب"الكل ضد الكل" الهوبزية، في هذا الواقع الجديد المليء بالمتناقضات تدفعك المخيلة إلى السؤال:
"وماذا بعد ؟"
الجواب :
"ظلٌ في مهب الريح" إنها روح المخيم ، بين شقاء الطبيعة، و شقاء البشر، تسير الحياة لتبحث عن الاستقامة، و عن الهدوء، و رغم كل هذا :
"لا تقبل الغربة القسمة على اثنين
الوحدة ثم الوحدة فالوحدة من جديد"
بقلم : محمد هالي
(يتبع)
توثيق : وفاء بدارنة


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق