*** تحليل قصيدة غربة الأوتاد ***
رابطة حلم القلم العربي
*** تحليل قصيدة غربة الاوتاد ***
بقلم الشاعر المتألق: محمد هالي
*** تحليل قصيدة"غربة الأوتاد ***
لعادل المتني (المقطع الثاني)
بقلم : محمد هالي
يقتلك السؤال في "مخيم اللاجئين" يدفعك في متاهة الجواب ، يسبح بك في فوضى المخيمات المشتتة تنتظر في غربتها عون الغرباء، هناك من يتعاطف و هناك من يتفرج في هذا الذل الذي قصده الغريب بوعي و روية ، قرار الغربة لا مناص من أن يسبقه عنف الألفة، و صوت البارود المتدافع في الهواء، يصيب يقسم البشر إلى أشلاء، وخوفا من الإعاقة، و خوفا من الموت و الحصار، يضطر الغريب أن يتجه إلى مصب الذل ، ذل البقاء أفضل من ذل الموت، عقدة البقاء للأقوى تفرض عليك أن تنفلت من حرب"الكل ضد الكل" الهوبزية، في هذا الواقع الجديد المليء بالمتناقضات تدفعك المخيلة إلى السؤال:
"وماذا بعد ؟"
الجواب :
"ظلٌ في مهب الريح" إنها روح المخيم ، بين شقاء الطبيعة، و شقاء البشر، تسير الحياة لتبحث عن الاستقامة، و عن الهدوء، و رغم كل هذا :
"لا تقبل الغربة القسمة على اثنين
الوحدة ثم الوحدة فالوحدة من جديد"
انك تعيش انفرادك، لا لشيء سوى أنك غريب عن ذاتك، عن البشر، عن التربة ، و عن المكان، و عن مؤسسة الزواج، و العائلة، إنك باختصار في "ظل في مهب الريح" لا تنعم بالاستقرار الأبدي، في أية لحظة تطرد، تقصى من تربتك الجديدة، لا لشيء سوى كونك غريب، غربتك تذهب بك حيث أنت، وحدك، تنخر ذاتك تراها منعزلة، و مقهورة، إنك في الذل الذي يغريك ب"تذكرة العودة" إنها حلم الرجوع إلى الأصل، المنطلق، لكن المثني في غمرة اللاهدف، و اللامعقول يطمئن لغرفته الصفيحية لأنها محطة للاستقرار الطويل:
"في غرفة من الصفيح
تشبه خم الدجاج في بيتنا القروي
أستقر طويلا"
هذا الإيمان الجديد بفن ما هو ممكن فعله، تسبح بك الذاكرة حيث أنت، وحدك في الازدحام المعدوم، وحدك وسط البشر، ذاكرتك متفردة، تخرجك من عالمك الجديد عالم الأوتاد و المخيم و الذل و الهوان...تسبح بك في عوالم أخرى تذوب في ذاتك لتخرج من ذاتك، تحيى من موت أنت فيه، تتجلى في جحرك كفأر جريح تطارده القطط، و أنت كذلك في هذا الفضاء الجديد، تتنطع للأفضل، للآتي الأحسن
"هنا
خارج البلاد
نبحث عن بلاد"
فقط ذهنك يريد أن يخلص جسدك، يخلص نفسه من القهر، ينقب
"عن موطئ قدم لظهر مكسور"
ذهنك المتفرد بإنسانيته يطير في علوه شامخا، بعيدا عن الذل الذي أنت فيه، يبتسم، و يريد أن يخلص جسدك من نفاياته يبحث:
"عن مبولة , لا تأخذ عينة من حمضنا"
يستقر في مستقر الطمأنينة و الهدوء لا يعبأ بما يوجد من حوله، إنها السكينة المفقودة، و المتوفرة في الإنسان: إن الإنسان هو الذهن، و الإنسان هو التفكير ألم يقل ديكارت يوما بأن الإنسان كائن عاقل؟ ، التفكير محدد للوجود: "أنا أفكر، أنا موجود"، الذهن يجد ضالته في رفض الضجيج، و مشاكل اللجوء، ينط من فوهة الهروب، تاركا الجسد المتعلق به يكتشف هدوءه في مكانه الجديد:
"لفروع الأمن
عن جدران لا تخون
مقطوعة الآذان"
لأنه هو المخلص الوحيد من هذا العذاب المختار بعناية، لأنه اختيار الذل القسري، فهو له إمامه الخاص، غير مرتبط بالمخيم، عن إمام في بلاد الأصل لا:
"عن إمام
لا يقف أمامنا
لنبحث عن الله
في بلاد الكافرين"
في علو الذات و ترفعها القوي ، و الخروج من غفوتها المتفردة تستعين بأداة اللجوء الوحيدة المتبقية لها، للخروج من التيه، و الذوبان، إنها أداة التخيل، ألم يكن السجين يهرب من تعذيب سجانه عن طريق العقل، و هذا ما يستعين به اللاجئ في المخيم، بهذه المقاربة الشاقة و المتعبة يظهر البوح العلني لفضح آلام المخيمات و اللاجئين، بهذه الصرخة التي تصف الألم الذي يحطم الأحلام و الذكريات يذكرنا عادل المثني بأسلوب أدبي راق، مستمدا مقومات الوصف من الواقع المر الذي أصبحت فيه معاناة الشعوب العربية التي تئن من وطأة الحروب المفتعلة من طرف الأنظمة الفاشية الحاكمة و من طرف الامبريالية العالمية إنها صرخة لمعاناة المقهورين الذين فرضت عليهم بالقوة أسوأ الظروف، و أحلكها نتيجة مطالب بسيطة أرادوها أن تكون: إنها مطالب تتمثل في الحرية، و العدالة الاجتماعية، و الديمقراطية ... و نتيجة لهذه المطالب انقلبت المفاهيم السابقة إلى الفاشية و الديكتاتورية و القهر و اللجوء و المخيمات و القتل الجماعي...صرخة عادل من أجل العدل، صرخة من أجل فضح معاناة أمكنة اللجوء المقصية من التاريخ، و من الرأفة، و من نكهة العاطفة التي وصفها المثني بدقة في هذا المقطع الجميل:
"نبحث عن امرأة تغفو قربنا
تُنَكّهُ الصباح بعطرها الساخن
وابتسامة ساخنة
وجسدا يقارب لغة الشعر
دون مواربة
وحياء"
(يتبع)
بقلم : محمد هالي
توثيق : وفاء بدارنة


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق