*** رد على ما في الواقع ***
رابطة حلم القلم العربي
*** رد على ما في الواقع ***
بقلم الشاعر المتألق : محمد هالي
من الواقع
سرد للدكتورة رشيدة رشيق
في القطار المتوجه من الرباط إلى فاس ، حاولت أن أبحث عن مكان هادئ أجلس فيه .إخترت مقصورة بها أمرأة واحدة ..
ماهي إلا لحظات حتى دخلت أمرأة ثلاثينية يتبعها زوجها ،انتبهت أن الرجل يحمل طفلة مربوطة اليدين والرجلين ، مددها على المقعدين المقابلين لي وجلس عند رجليها في حين جلست الأم قرب رأس الطفلة
تابعت المنظر باستغراب أنا وجارتي في المقعد فانتبهت الأم لدهشتنا وقالت :
- مريضة مسكينة، يلا ما ربطناش ليها اليدين والرجلين ما نقدروش نهزوها
تركاها ممددة على ظهرها وبدأت الأم تسكب في فمها عصيرا وتطعمها قطعا من البسكويت والطفلة تشير برأسها أن زيديني !
بدا لي الزوجان من البادية ، وكعادة أهل البادية بدأت المرأة تحكي بتلقائية:
- بنتي مسيكينة ما عندهاش السلسول
سألتها السيدة بجانبي :
-وكنتي بيها عند الطبيب ؟
-لا ، كنت عند الطبيب على راسي ، درت كسيدة وتقطع ليا العرق ديال الدموع ..
كان الأب صامتا طول هذا الوقت ، فطلبت منه الأم أن يفك رباط الطفلة ففعل ، فتحركت الصغيرة حركات عشوائية بيديها ورجليها في كل الاتجاهات في حين استلقى رأسها إلى الوراء .كان منظر الأب رهيبا وهو يحاول أن يسيطر على حركاتها ، نجح بعد جهد كبير أن يجلسها على ركبتيه
استطردت الأم في حكيها:
-حنا من سيدي سليمان وعندي سبعة ديال الدراري ، ستة مزيانين وهادي مسكينة نتشوها ليا فالزيادة وما طلعش ليها الغاز للراس ، داك شي علاش مات ليها السلسول .
دابا عندها عشر سنين ولكن عقلها ناضي ، وهاد الشهادة هي لي نافعانا باش كنتبعو ليها في الرباط .قالت هكذا ومدت لي شهادة إعاقة بها إسم الطفلة وسنها ونوع الإعاقة مع إشارة لوجوب تقديم المساعدة لحامل الشهادة .
بعد لحظات من السرد ، قالت مخاطبة زوجها :
-الكونترول جاي ، يا الله نهربو
قام الزوج بعد أن ربط الطفلة مجددا ، وحين حملها وهم بالخروج صارت تصرخ وتنظر وراءها ، حينها فقط انتبها أنهما قد نسيا شهادة الإعاقة فوق المقعد والبنية هي من ذكرتهما بذلك !
لم تستطع المسكينة أن تذهب دون شهادتها فهي جوازها للعلاج وعكازها في حياتها البئيسة
بعد خروج الزوجين ، تنهدت السيدة التي بجانبي تنهيدة عميقة ثم استدارت نحوي وسألتني :
- انتي محامية ؟
أجبتها بالنفي في حين قال صوت خبيت في داخلي :
- الله ينجيني !
فأضافت :
-أنا ختي كنداوي فمولاي عبد الله ..
ما عرفتش سبب سؤالها ، أخدت ما يكفي من الحزن لهذا اليوم فلم أشجعها على الكلام فقط دعوت لها بالشفاء والتفتت نحو النافدة ، هربت بعيني وفكري نحو خضرة الطريق ولعنت في سري بطء القطار ..
رشيدة رشيق
رد على ما في الواقع
محمد هالي
في بعض الأحيان،
تسعى للفرار من ذاتك،
تغلق السمع،
و تصد الكلام..
في بعض الأحيان،
تبكي لمشهد،
لمشاهد،
تجر الهزيمة،
تشعر أنك أنت في الوليمة،
في المصيبة،
أو ضمن المصائب..
تتنكر،
تختفي،
و أنت مع نفسك،
توجد في السفينة،
ضمن الحدث،
تستفسر عن عذابات كثيرة،
عن غزال ينهشه ضبع،
تقول: هذه مجرد فريسة،
عن أسد يزأر،
تقول: للغابة زئيرها،
و حين تسمع الحكايات الأليمة،
تتنحنح،
تشطب السمع،
تفر للنافذة،
للباب،
تغلق كل شيء،
و يبقى الصدى،
يدب في خلاياك
كجرثومة تحركاتها أليمة..!
بقلم : محمد هالي
توثيق : وفاء بدارنة


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق