الجمعة، 14 أكتوبر 2022


**اعترافات رجل شرقي**

النادي الملكي للأدب والسلام 

**اعترافات رجل شرقي**

بقلم الشاعر المتألق: وليد ع العايش

**اعترافات رجل شرقي**

          _كتب: وليد.ع.العايش

في أواخر سبعينيات القرن الماضي كنا مانزال في المدرسة الإبتدائية ؛ كان الطريق طويلا علينا كأطفال ؛ موحلا  في الشتاء ؛ حارا في الصيف ؛ لكنه كان جميلا في كل أحواله . 

نستيقظ بالترغيب أو الترهيب ( لا فرق ) منذ الخامسة صباحا ؛ علينا أن نغسل وجوهنا ؛ ثم نرتدي ( الصدرية المدرسية) الممزقة ذات الحزام الخلفي .

كان بابور الكاز حاضرا ؛ مع صفيحة من ( التنك) نضعها عليه حتى تسخن ثم نضع قطع الجبن البلدي كي تشوى ( مازال طعمها عالقا حتى اليوم) مع أرغفة خبز التنور وبعض الزيتون أو المكدوس ؛ نأكل ما تيسر لنا ثم ندس بعض السندويشات في الحقيبة كي تكون زادا في رحلة العودة إلى البيت . 

طبعا لم يكن وقتها هواتف لا أرضية ولا جوية ؛ ولا سيارات ؛ وحدها بعض ( الطنابر ) كانت تصادفنا فنتشبث بها سواء رضي صاحبها أم لم يرض ؛ فمن يستطيع مقاومة شقاوة الأطفال وخفة دمهم ؛ وأحيانا شتائمهم إن لم يستجب لهم . 

لم يكن الطريق مفروشا بالورود ؛ ففي الشتاء كان الأقدام تحمل الوحل بينما المطر كان ينتظر خروجنا إلى تحت السماء كي ينهمر لكنه كان لطيفا وكنا نستمتع به ؛ لابد أن نمر بجوار بعض بيوت جيراننا ( البدو) وهنا كان الخوف يلفنا من كلاب تنتظرنا خفية وتظهر فجأة كي تعلن عن وجودها هناك وفي كثير من الأحيان ننتظر أن يخرج جارنا أو إحدى زوجاته كي يبعدوهم عن طريقنا دون أن نتعرض للأذى . 

ورغم كل مشاق الطريق كان المعلم يتربص بنا على باب المدرسة مع عصاه الغليظة ونادرا ماكنا نفلت من العقاب لتأخرنا عن الوصول في الوقت المحدد ؛ فهو لا يكترث للمسافات ولا للمطر ولا للكلاب. 

أما في الربيع فكان الوضع مختلفا ؛ فالمطر يغادر تاركا مكانه لغبار  الأرض كي ( تعفرنا ) طبعا في غالب الأحيان بفعلنا نحن ؛ لابد وأن نعرج على بستان أحد الفلاحين كي نقطف ثمار المشمش والجارنك  والخوخ ومعظمها لم يبلغ قد بلغ سن الرشد بعد ؛ لكن هيهات أن يفهم الطفل بأنها لم تصبح صالحة للأكل بعد ؛ مرات نفر بعد أن نملأ جيوبنا وفي مرات أخرى يكون هناك سباق بيننا وبين صاحب البستان أو أحد أولاده . 

مازالت رائحة شواء الجبن حاضرة ؛ ومازال نباح الكلاب يهز مسامعي ؛ ومازالت عصا المعلم تلوح أمام عيني ؛ ومازالت والدتي مع قضيب ( الحور) تصرخ: هكذا ذهبتم صباحا !!! ماكل هذا الوحل والطين !!! من أين هذه الغبار !!! ... 

في نهاية العام كنا نحمل ( الجلاء المدرسي ) الذي يفصح عن نجاحنا بامتياز ولكن هل كان يشفع لنا ... سأترك الجواب لكم ... وللحديث بقية ... 

بقلم : وليد.ع.العايش 

١٤ / ١٠ / ٢٠٢٢ م

توثيق: د وفاء بدارنة 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق