الأحد، 2 نوفمبر 2025


*** الحذاء المبتلّ. ***

النادي الملكي للأدب والسلام 

*** الحذاء المبتلّ. ***

بقلم الكاتب المتألق: سالم حسن غنيم 

*** الحذاء المبتلّ. ***

في حيّ نِزال من أحياء مدينة عمّان القديمة، يعيش رجلٌ ستينيّ يُدعى سالم، يعمل منذ شبابه في التعليم.

كان معروفًا بين الناس بهدوئه، وبابتسامته التي لا تفارقه رغم تعب السنين.

ذات مساءٍ ممطر، قرّر أن يزور والدته المسنّة التي تجاوزت الخامسة والثمانين، بعد أن بلغه أنّها متعبة قليلًا.

قاد سيارته وسط المطر، وقطع طريقًا طويلًا حتى وصل إلى بيتها القديم.

حين رأته، أشرقت ملامحها كأنّ العمر عاد بها عشرين سنة إلى الوراء.

قدّمت له القهوة العربية، وجلست بجانبه تُحادثه عن الجيران، والسنوات التي مضت، وعن. طفولته التي ما زالت تراها أمامها رغم الشيب الذي ملأ رأسه.

حين حلّ الليل، ازداد المطر واشتدّ البرد، فقالت له:

ـ نم هنا الليلة يا ولدي،

البرد لا يرحم.

ابتسم وأطاعها، فنام على فرشته الصغيرة قرب الموقد.

مع أذان الفجر، نهض سالم ليتوضأ ويذهب إلى المسجد القريب.

لكن حين وصل إلى باب البيت،

وجد حذاءه مبلّلًا تمامًا بالماء!

تأفّف قليلًا، ثم قرّر أن يبحث عن حذاءٍ آخر، وهنا لمح في زاوية الغرفة مشهدًا لا يُنسى…

كانت أمّه تجلس على الأرض، تمسك حذاءه الآخر بيديها، تمسحه بقطعة قماشٍ دافئة قرب النار، لتُجفّفه له قبل خروجه للصلاة.

كان المطر يتساقط على سقف البيت بصوتٍ حزين، وصوت أنفاسها المتقطّعة يمتزج معه.

تجمّد في مكانه، لم يدرِ أيتقدّم أم يتراجع.

شعر أنّ الزمن عاد به طفلًا،

وأنّ أمّه – رغم وهنها وارتجاف يديها – لا تزال تراه صغيرًا يحتاجها.

اقترب منها بهدوء، جلس عند قدميها، وأمسك يديها المرتجفتين يقبّلهما بحرقة.

بكت الأم وهمست بصوتٍ خافت:

ـ ما زلتَ ولدي الصغير يا سالم…

مهما كبِرتَ. 

وفي تلك اللحظة أدرك أنّ البرَّ ليس كلماتٍ نُردّدها،

بل شعورٌ عميقٌ لا ينطفئ مهما مرّ العمر.

بعد أيّام، كتب سالم قصّته على صفحته في «فيسبوك»، ولم يتوقّع أن تنتشر بهذا الشكل.

كتب في آخرها:

> حين تُجفّف أمّك حذاءك وهي ترتجف من البرد…

فاعلم أنّ الجنّة تمسح التراب عن قدميك.

امتلأت التعليقات بالدعاء والبكاء، وكتب أحدهم:

> رحم الله أمّي التي كانت تُدفّئ قلبي قبل حذائي.

وقال آخر:

> لو أدرك الناس قيمة الأمّ…

لناموا عند قدميها كل ليلة.

ومنذ ذلك اليوم، صار سالم يزور أمّه كل يوم، حتى رحلت إلى ربّها بعد عام،

تاركةً في قلبه أثرًا لا يُمحى…

✦ سالم حسن غنيم

توثيق: وفاء بدارنة 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق