*** صدى الذكرى. ***
النادي الملكي للأدب والسلام
*** صدى الذكرى. ***
بقلم الشاعر المتألق : جمال الدين الخنفري
*** صدى الذكرى. ***
في إحدى زوايا المنزل، اتخذت مجلسها منعزلة عن العالم، في وضعٍ يشي بثقل همومها وتكالب أحزانها. كانت دموعها تنساب على وجنتيها بأنينٍ خافت، وقلبٍ يسكنه وجعٌ مثقل. لا شيء يؤنسها سوى صورته القديمة المعلَّقة على جدار الغرفة، تُظهره في عزّ شبابه. تلمسها بأنامل مرتجفة، تحاول استرجاع ما مضى من سنيّ حياتهما، وكيف عاشا سويًّا في مؤانسةٍ وتآلفٍ برباط الحب العميق.
منذ رحيله، أصبح كل شيء من حولها موشّحًا بالكآبة والحزن، يوقظ المواجع في نفسها: كرسيّه الذي اعتاد أن يجلس عليه كل مساء، فنجان قهوته الذي ما زالت مطبوعة عليه آثار شفتيه، نظاراته السميكة التي تربّعت على عرش كتابه الذي لم يتمّ قراءته
غيابه خلّف جرحًا عميقًا، بعد أن كان حضوره يملأ حياتها ويعزف تراتيل السعادة في قلبها بأنامله الناعمة، يرسم على جسدها مكنونات حبه الجنوني بكل رقةٍ ووداعة. ابتسامته على شفتيه القرمزيتين ما فتئت تكتب على ملامحه رسالةً مرصّعة بجواهر الطمأنينة:
«لا تخافي، واهدئي من روعك، فأنتِ تاجُ رأسي، وزهرةُ حياتي، وروحانَا في عقدٍ لا يفكّه إلا الموت.»
لكن في غفلةٍ، سبق السيف العذل، فطواه الثرى، وبقيت وفيّةً لذكراه، تتغذّى على الكمد والأسى في صمتٍ رهيب.
وفي صباح اليوم التالي، بعد عودتها من الخارج، شعرت بإرهاقٍ شديد، وتفصّد العرق من جبينها، وتملّكتها قشعريرةٌ سرت في أوصالها. ارتمت على الأريكة على أمل أن يتبدّد ما اعتراها من عارضٍ عابر، لكن لم تكد تمرّ لحظات حتى انطفأت شمعتها، والتحقت برفيق عمرها.
✍️ جمال الدين خنفري – الجزائر

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق