*** رسائل صامتة. ***
النادي الملكي للأدب والسلام
*** رسائل صامتة. ***
بقلم الشاعر المتألق: وسام طيارة سوري
*** رسائل صامتة. ***
الرسالة الرابعة
بعض الوداع لا يُقال.. بل يُصبحك،
لأن بعض الرسائل لا تُرسل لتُقرأ،
بل لتُنجيني مني، حين أكون على وشك أن أضعف.
أتعرف ماذا يعني أن يُهديك أحدهم نفسه،
ثم يعتذر لاحقاً لأنه لم يكن جاهزاً؟
أن يفتح لك أبوابه كلها،
ثم يتوسل إليك أن تخرج.
أن يُسمعك موسيقى عمره،
ثم يطلب منك ألا ترقص.
أحياناً.. يحدث أن تُعانق شخصاً كان برداً،
فتتحول إلى المدفأة التي تستهلك نفسها كي لا يرتجف،
وأنت لا تدري أنك، في اللحظة ذاتها، كنت تتجمد من الداخل.
كنت عادياً جداً.. حتى التقيت به.
ثم أصبحت قصيدة، وصوتاً متعباً في قلب الليل،
وصار مزاجك يُحدده حضوره، لا جدولك.
كنت تمشي بخط مستقيم،
ثم انقسم الطريق إلى نصفين:
هو في جهة، وأنت في جهة،
وكلاكما يُحاول ألا يلتفت.
في العلاقات التي لا تُفهم،
لا ينكسر القلب فقط..
بل ينكسر المعنى.
لتصبح الأشياء التي كانت تمنحك الطمأنينة مشوّهة،
ويصير عليك أن تعيد اختراع نفسك كي لا تموت.
لكن لا أحد يموت تماماً،
ولا أحد ينجو تماماً.
نحن فقط نكتب شيئاً يُشبه الشفاء،
لننقذ أنفسنا من الغرق في الذاكرة.
كنت تظن أنك ما أنقذني،
حتى اكتشفت أنني كنت أغرق لأنني تمسّكت بك.
تعلّمت لاحقاً أن التخلي ليس هزيمة،
بل ولادة جديدة للكرامة.
أن أقول لنفسي: "يكفي"، وأُصدقني،
كان ذلك أعظم ما فعلتُه في الحب.
لم أولد من رحم أمي فقط،
ولدت مرةً أخرى، يوم تركت كل ما كنته لأبقى حياً.
لهذا، لم أعد أعاتبك،
ولم أعد أراك خصماً.
أراك كما يُرى الغيم حين يعبر:
لم يكن لك أن تبقى،
لكنك، رغم ذلك، أمطرتني بشيءٍ ما.
كنت أظن أنني تجاوزتك،
لكني، كلما نظرت خلفي،
وجدت أثر خطواتي منقوشاً بجوار ظلك.
لا أعرف إن كنت تذكر شيئاً،
لكني أذكر كل ما لم يحدث بيننا:
الأحاديث التي ماتت على أطراف الكلام،
اليد التي لم تُمد،
والوداع الذي مرّ دون كلمة واحدة تليق بالنهاية.
كل ما في الأمر، أني بدأت أنسى صوتك،
وأنسى الطريقة التي كنت تضحك بها حين تُخطئ،
وأنسى ملامحك في الأماكن التي اعتدنا ارتيادها سهواً.
لكن قلبي، هذا الغبي النبيل،
ما زال يضع اسمك على أطراف الدعاء،
ثم يعتذر مني.. كأنه اقترف خيانة.
أكتب إليك، لا لتعود،
ولا لتقرأ،
ولا لتشعر بالندم..
بل لأقول لهذا الغياب الذي تكدس فيّ:
"أنت لست وطناً.. بل ذكرى مرّت ذات حياة،
وكان يجب أن تُنسى، بكرامة."
ولهذا، يا من غبت دون أن تموت،
أحببتك كما يحب الإنسان ما يؤذيه،
بصدقٍ لا يُغفر، وبنُبلٍ لا يُرد،
ثم تركتك لله،
لأن بعض الخسارات، لا يليق بها إلا التسليم.
#وسام_طيارة
#سوريا
توثيق: وفاء بدارنة
-


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق