*** القفص. ***
رابطة حلم القلم العربي
*** القفص. ***
بقلم الشاعر المتألق: عزيز شرحبيل
*** القفص. ***
بيني وبين عصفوري الكناري عِشرة وانسة ، فلطالما آنس وحدتي صوته الجميل، كما اؤنس وحدته عندما يتوقف عن الغناء لمدة توافق فترة تغيير ريشه، وهي عادة كل أبناء جلده. لذلك، كان يكفيني ان أراه يتحرك داخل قفصه لاستحضر تغريده الشجي، كما كنت الاحظ تزايد حركيته كلما رآني... وكل هذا يعني ان هناك تيارا واصلا بيننا، وحبا مستتيرا يسيل له حبر كثير....
ومع انصرام الايام، صرت متعلقا به لدرجة فكرت فيها ان امنحه من السعادة ما يبهج قلبه الصغير، وهل من سعادة يا ترى تعادل اعتناق الحرية...
تخيلت نفسي داخل قفص من ذهب، يساق الي ما لذ وطاب من طعام وشراب، وانا على حالي لا أفعل غير ما يفعله كل من فقد حريته : الانتظار. وبما انني لا يمكن ان اقايض حريتي بكل امتيازات العالم، فإن الذهب وكل الأطباق الفاخرة لا تعني لي شيئا امام حريتي، ولا أقبل لها تحجيما او عليها مزايدة، فهي منة من رب العالمين خلقني حرا طليقا في بطن امي، وكتب لي رزقا دون منة من غيره، وارشدني سواء السبيل، وإن كان لاحد علي تفضل، فلله خالقي وبارئي ومن بعده امي وابي...
وبما ان الحرية كائن مقدس فإن دساتير البشر جعلت لها أبوابا محكمة لا يطالها التشابه او التطاول وسخرت لها قوانين تنظمها وترعاها وانشد فيها الشعراء بكل لغات العالم قريضا تردده الأجيال المتعاقبة.
لأجل كل هذا، قررت أن افتح باب القفص ليغادر طائري الجميل سجنه، فيحلق في سماء الحرية فيسعد قلبه، وهكذا فعلت.
وقد آلمني ان أراه يغادر إلى حيث لا يجمعني به مكان او زمان، وراقبته يتوارى بسرعة الملهوف لتحقيق المغامرة والاستمتاع بمنة الخلاص، شأنه في ذلك شأن المسافر في الصحراء الذي يعثر على واحة، بعدما يكون قد نفذ ماءه وأشرف على الهلاك.
ودون أن استطيع كبح جماحها، غاردت دفعة من العبرات فناء جفن مقلتي، وانسابت على الخدين في صمت طويل وكأنها كلمة وداع لصديق عجز اللسان ان يتمكن من لغة الطير فيودعه وداعا يليق بمتحابين...
جلست في شرود افكر في صواب ما اقدمت عليه، وتبدد الغم الذي جثم على صدري تدريجيا و بدأت بشائر الرضى تصل إلى باحة قلبي، وتحول حزني إلى سعادة وانشراح. وبينما انا كذلك، فوجئت بعصفوري يقف على باب النافذة، فهرعت اليه وما ان فتحتها حتى قصد القفص، وكان بابه لا يزال نفتوحا، دخل اليه وشرع مباشرة في التغريد.....
لم أستطع إخفاء فرحتي بعودته، لكنني سرعان ما احسست بتشوش أفكاري عندما تسائلت عن سبب هروبه من الحرية وهي ضالة كل مخلوقات الأرض. هل رأى ما دفعه إلى الخوف أم انه اصابته العدوى من بعض أبناء نوح الذين قايضوا حريتهم بفتات العيش؟....
بقلمي عزيز شرحبيل
توثيق : وفاء بدارنة


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق